"أدلة جواز زیارة القبور"
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين،
وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى من تبع نهج محمد وآله إلى قيام يوم
الدّين، وبعد:
يهتم الشيعة الإمامية الإثنا عشرية بزيارة القبور والصلاة والدعاء
عندها، خصوصاً قبر النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، وقبور الأئمة
الطاهرين من أهل بيته عليهم السلام، باعتبار أنّ ذلك من تمام الوفاء
بعهودهم عليهم السلام، وموجب لشفاعتهم لزائرهم، فقد ورد على الإمام
الرّضا عليه السلام أنّه قال: ( إن لكل إمام عهداً في عنق أوليائه
وشيعته، وإنّ من تمام الوفاء بالعهد وحسن الأداء زيارة قبورهم، فمن
زارهم رغبة في زيارتهم وتصديق ما رغبوا فيه كان أئمتهم شفعاءهم يوم
القيامة) (الكافي 4/567)، وقال النبي صلى الله عليه وآله: ( من زارني
حيّاً وميتاً كنت له شفيعاً يوم القيامة) (قرب الإسناد صفحة 65)، ولأنّ
مواقع تلك القبور مواطن لاستجابة الدعاء والارتباط بالله عزّ وجل
والانقطاع إليه، إضافة إلى الفوائد الكثيرة الأخرى.
ولا يخالف الشيعة في استحباب زيارة القبور أو جوازها غيرهم من المسلمين،
بل المسلمون جميعهم متفقون على ذلك إلاّ من شذّ منهم، فهذا نبي الإسلام
صلى الله عليه وآله يرخّص للمسلمين زيارتها ويحثهم على ذلك من خلال
بيانه لما في زيارتها من ثمار وآثار جليلة، وفوائد جمّة.
النصوص من أقوال رسول الله صلى الله عليه وآله في
الحث على زيارة القبور
عن بريدة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: ( ... نهيتكم عن زيارة
القبور فزوروها...) ( صحيح مسلم 2/672 رواية رقم: 977 و 3/1563 رواية
رقم: 1977، صحيح ابن حبّان 7/439 رواية رقم: 3168 و 12/213 رواية رقم:
5391 و 12/221 رواية رقم: 5400 ),
وعن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وآله قال: (... وإني كنت نهيتكم
عن زيارة القبور فزوروها فإنّها تزهّد في الدّنيا وترغب في الآخرة) (صحح
ابن حبّان 3/261 رواية رقم: 981، سنن ابن ماجة 1/501 رواية رقم: 1571).
وعن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله أنّه قال: ( نهيتكم
عن زيارة القبور فزوروها فإن فيها عبرة) ( المستدرك على الصحيحين 1/305
رواية رقم: 1386، سنن البيهقي 4/77، مسند أحمد 3/38).
وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ( نهيتكم عن
زيارة القبور فزوروها فإنّها تذكركم الموت) (المستدرك على الصحيحين
1/531 رواية رقم: 388).
وفي رواية أخرى أخرجها الحاكم أيضاً أن أنساً قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وآله: ( كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنّه يرق
القلب وتدمع العين وتذكر الآخرة ولا تقولوا هجرا) (المستدرك على
الصحيحين 1/532 رواية رقم: 1392).
وفي رواية أخرى للحاكم النيسابوري يرويها بسنده عن أنس عن رسول الله
صلى الله عليه وآله أنه قال: ( إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فمن شاء
أن يزور قبراً فليزره، فإنّه يرق القلب ويدمع العين ويذكر بالآخرة) (
المستدرك على الصحيحين1/532 رواية رقم: 1394، وانظر سنن البيهقي 4/77
رواية رقم: 6990).
وعن عبد الله بن أبي ملكية قال: ( إن عائشة أقبلت ذات يوم من المقابر
فقلت لها: يا أم المؤمنين من أين أقبلت؟ قالت: من قبر أخي عبد الرّحمن
بن أبي بكر، فقلت لها: أليس كان رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلّم
نهى عن زيارة القبور؟ قالت: نعم، كان نهى ثم أمر بزيارتها) ( المستدرك
على الصحيحين 1/532 رواية رقم: 392، سنن البيهقي الكبرى 4/78 رواية رقم:
6999).
وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أن رسول الله صلى الله
عليه وآله قال: ( ... إنّي كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإنّها
تذكركم الآخرة ... ) ( مسند أحمد بن حنبل 2/111 رواية رقم: 1235).
ولو أردنا أن نستقصي الرّوايات الواردة في كتب أهل السنة والدالة على
جواز زيارة القبور بل واستحبابها لاحتجنا أن نسوّد الكثير من الصفحات،
وفيما ذكرناه كفاية.
وإذا كان المسلم يجني مثل هذه الثمار والفوائد التي ذكرتها الروايات
السالفة بزيارته لقبر الإنسان العادي، فلا شك أن الفوائد التي يجنيها
من زيارته لقبور الأنبياء والأئمة عليهم جميعا الصلاة والسلام تكون
أكبر وأكثر فيتأكد حينها استحباب زيارة قبورهم.
وعليه فإن من ينتقد الشيعة أو غيرهم من المسلمين لزيارتهم القبور فهو
إنّما يرد على رسول الله صلى الله عليه وآله، وينتقد نبي الإسلام لأنّه
هو الذي وجّه المسلمين وأرشدهم إلى ذلك وحثهم عليه.
من أقوال علماء أهل السنة في استحباب زيارة القبور
وأمّا أقوال وكلمات الأعلام من علماء أهل السنة حول زيارة القبور فإليك
جملة منها: -
قال أبو محمد عبد الله بن قدامة المقدسي في كتابه الكافي في فقه ابن
حنبل: (ويستحب للرجال زيارة القبور لأن النبي صلى الله عليه [وآله]
وسلّم قال: كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الموت،
رواه مسلم، وإذا مر بها أو زارها قال ماروى مسلم قال: كان رسول الله
صلى الله عليه [وآله] وسلّم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر فكان قائلهم
يقول: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإن شاء الله بكم
للاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية وفي حديث آخر: ويرحم الله
المستقدمين منا والمستأخرين، وفي حديث آخر: اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا
تفتنا بعدهم، وإن زاد اللهم اغفر لنا ولهم حسناً، وأما النساء ففي
كراهية زيارة القبور لهن روايتان إحداهما لا يكره لعموم ما رويناه ولأن
عائشة رضي الله عنها زارت قبر أخيها عبد الرحمن، والثانية يكره لأن
النبي صلى الله عليه [وآله] وسلّم قال: لعن الله زوارات القبور وهذا
حديث صحيح، فلما زال التحريم بالنسخ بقيت الكراهية، ولأن المرأة قليلة
الصبر فلا يؤمن تهييج حزنها برؤية قبور الأحبة فيحملها على فعل ما لا
يحل لها فعله بخلاف الرجل) (الكافي في فقه ابن حنبل 1/274-275) .
وقال في كتابه المغني: ( لا نعلم بين أهل العلم خلافاً في إباحة زيارة
الرجل القبور، وقال علي بن سعيد: سألت أحمد عن زيارة القبور تركها أفضل
عندك أو زيارتها؟ قال: زيارتها.
وقد صح عن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلّم أنه قال: كنت نهيتكم عن
زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الموت، رواه مسلم والترمذي بلفظ
فإنها تذكر الآخرة ) (المغني 2/223) .
وقال: (وإذا مر بالقبور أو زارها استحب أن يقول ما روي عن مسلم عن
بريدة قال: كان رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلّم يعلمهم إذا خرجوا
إلى المقابر فكان قائلهم يقول: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين
والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية .
وفي حديث عائشة ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين .
وفي حديث آخر: اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم، وإن زاد قال
اللهم اغفر لنا ولهم كان حسنا) (المغني 2/224) .
وقال مرعي بن يوسف الحنبلي في كتابه دليل الطالب: ( وتسن زيارة القبور
للرجال وتكره للنساء وإن اجتازت المرأة بقبر في طريقها فسلمت عليه ودعت
له فحسن وسن لمن زار القبور أو مر بها أن يقول السلام عليكم دار قوم
مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ويرحم الله المستقدمين منكم
والمستأخرين، نسال الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا
تفتنا بعدهم ، واغفر لنا ولهم ) (دليل الطالب 1/63).
وقال أبو النجا موسى بن أحمد المقدسي الحنبلي في كتابه زاد المستنفع: (تسن
زيارة القبور إلاّ للنساء ويقول إذا زارها السلام عليكم دار قوم مؤمنين
وإنا إن شاء الله بكم للاحقون يرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين،
نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم ،
واغفر لنا ولهم ) (زاد المستنفع صفحة 69).
وقال محمد الشربيني الخطيب في كتابه الإقناع: ( ويندب زيارة القبور
التي فيها المسلمون للرجال بالإجماع، وكانت زيارتها منهياً عنها ثم
نسخت بقوله صلى الله عليه [وآله] وسلّم: كنت نهيتكم عن زيارة القبور
فزوروها، ويكره زيارتها للنساء لأنها مظنة بكائهن ورفع أصواتهن ، نعم
يندب لهن زيارة قبر رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلّم فإنها من
أعظم القربات وينبغي أن يلحق بذلك بقية الأنبياء والصالحين والشهداء،
ويندب أن يسلم الزائر لقبور المسلمين مستقبلاً وجه الميت قائلاً ما
علمه صلى الله عليه [وآله] وسلّم إذا خرجوا للمقابر السلام على أهل
الدار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون أسأل الله لي
ولكم العافية، أو السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم
لاحقون رواهما مسلم ويقرأ عندهم ما تيسر من القرآن الكريم فإن الرحمة
تنزل في محل القراءة والميت كحاضر ترجى له الرحمة ويدعو له عقب القراءة
لأن الدعاء ينفع الميت وهو عقب القراءة أقرب إلى الإجابة وأن يقرب
زائره منه كقربه منه في زيارته حياً احتراماً له، قال النووي: ويستحب
الإكثار من الزيارة وأن يكـثر الوقوف عند قبور أهل الخير والفضل )
(الإقناع1/208) .
وقال في مغني المحتاج : ( ويندب زيارة القبور التي فيها المسلمون
للرجال بالإجماع وكانت زيارتها منهياً عنها ثم نسخت لقوله صلى الله
عليه [وآله] وسلّم: كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تدخل
النساء في ضمير الرجال على المختار ، وكان صلى الله عليه [وآله] وسلّم
يخرج إلى البقيع فيقول : السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا بكم إن شاء
الله لاحقون ، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد ، وروي فزوروا القبور فإنها
تذكركم الموت ، وإنما نهاهم أولاً لقرب عهدهم بالجاهلية فلما استقرت
قواعد الإسلام واشتهرت أمرهم بها .
وذكر القاضي أبو الطيب في تعليقه ما حاصله أنه من كان يستحب له زيارته
في حياته من قريب أو صاحب فيسن له زيارته في الموت كما في حال الحياة،
وأما غيرهم فيسن له زيارته إن قصد بها تذكر الموت أو الترحم عليه ونحو
ذلك .
قال الإسنوي: وهو حسن وذكر في البحر نحوه .
قال الأذرعي: والأشبه أن موضع الندب إذا لم يكن في ذلك سفر لزيارة
القبور فقط بل في كلام الشيخ أبي محمد أنه لا يجوز السفر لذلك واستثني
قبر نبينا صلى الله عليه [وآله] وسلّم ولعل مراده أنه لا يجوز جوازاً
مستوي الطرفين أي فيكره .
ويسن الوضوء لزيارة القبور كما قاله القاضي الحسين في شرح الفروع ،
أمّا قبور الكفار فزيارتها مباحة وإن جزم الماوردي بحرمتها .
وتكره زيارتها للنساء لأنها مظنة لطلب بكائهن ورفع أصواتهن لما فيهن من
رقة القلب وكثرة الجزع وقلة احتمال المصائب وإنما لم تحرم لأنه صلى
الله عليه [وآله] وسلّم مر بامرأة على قبر تبكي على صبي لها فقال لها :
اتقي الله واصبري ، متفق عليه ، فلو كانت الزيارة حراماً لنهى عنها .
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : كيف أقول يا رسول الله ؟ - يعني
إذا زارت القبور قال : قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين
والمسلمين يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنا إن شاء الله بكم
لاحقون ، رواه مسلم .
وقيل تحرم لما روى ابن ماجه والترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه
أن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلّم لعـن زوارات القبـور وليس هذا
الوجه في الروضة وبه قال صاحب المهذب وغيره .
وقيل تباح جزم به في الإحياء وصححه الروياني إذا أمن الافتتان عملاً
بالأصل والخبر فيما إذا ترتب عليها بكاء ونحو ذلك .
ومحل هذه الأقوال في غير زيارة قبرسيد المرسلين أما زيارته فمن أعظم
القربات للرجال والنساء وألحق الدمنهوري به قبور بقية الأنبياء
والصالحين والشهداء وهذا ظاهر وإن قال الأذرعي لم أره للمتقدمين .
قال ابن شهبة: فإن صح ذلك فينبغي أن يكون زيارة قبر أبويها وإخوتها
وسائر أقاربها كذلك فإنهم أولى بالصلة من الصالحين .
والأولى عدم إلحاقهم بهم لما تقدم من تعليل الكراهة ... الخ ) (مغني
المحتاج1/365) .
وقال العلامة محمد الزهري في السراج الوهاج: ( ويندب زيارة القبور
للرجال وتكره للنساء، وقيل: تحرم، وقيل: تباح، وجزم به في الإحياء،
ومحل تلك الأقوال في غير زيارة قبور الأنبياء وأهل الصلاح وإلاّ
فزيارتهم سنة للنساء أيضاً ويسلم الزائر للقبور ندباً ويقرأ ما تيسر من
القرآن ويدعو للميت عقب القراءة ويستقبل عنده القبلة ) (السراج الوهاج
صفحة 115) .
وقال إبراهيم بن علي الفيروز آبادي الشيرازي في كتابه التنبيه ويستحب
للرجال زيارة القبور، ويقول إذا زار سلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا
إن شاء الله عن قريب بكم لاحقون، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا
بعدهم واغفر لنا ولهم ) (التنبيه صفحة 52) .
وقال النووي في روضة الطالبين: ( يستحب للرجال زيارة القبور وهل يكره
للنساء وجهان أحدهما وبه قطع الأكـثرون يكره ، والثاني وهو الأصح
عند الروياني لا يكره إذا أمنت من الفتنة، والسنة أن يقول الزائر سلام
عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله عن قريب بكم لاحقون ، اللهم لا
تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم ، وينبغي للزائر أن يدنو من القبر بقدر
ما كان يدنو من صاحبه في الحياة لو زاره .
وسئل القاضي أبوالطيب عن قراءة القرآن في المقابر فقال الثواب للقارئ
ويكون الميت كالحاضر ترجى له الرحمة والبركة ، فيستحب قراءة القرآن في
المقابر لهذا المعنى ، وأيضاً فالدعاء عقيب القراءة أقرب إلى الإجابة
والدعاء ينفع الميت ) (روضة الطالبين 2/139) .
وقال محمد بن عمر الجاوي في نهاية الزين : ( ويسن زيارة القبور وورد أن
من زار قبر أبويه أو أحدهما في كل جمعة مرة غفر الله له وكان باراً
لوالديه ، وفي رواية من زار قبر والديه في جمعة أو أحدهما فقرأ عنده يس
والقرآن الحكيم غفر الله بعدد ذلك آية وحرفاً وفي رواية من زار قبر
والديه أو أحدهما يوم الجمعة كان كحجة ) (نهاية الزين صفحة 164) .
وقال أبو الإخلاص حسن الوفائي الشرنيلالي في كتابه نور الإيضاح فصل في
زيارة القبور : ندب زيارتها للرجال والنساء على الأصح ويستحب قراءة يس
لما ورد أنه من دخل المقابر فقرأ يس خفف الله عنهم يومئذ وكان له بعدد
ما فيها حسنات ) (نور الإيضاح صفحة 98).
وقال علاء الدين الكاساني في بدائع الصنائع: ( ولا بأس بزيارة القبـور
والدعاء للأمـوات إن كانـوا مؤمنين مـن غير وطء القبور لقول النبي صلى
الله عليه [وآله] وسلم: إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها
فإنها تذكركم الآخرة ، ولعمل الأمة من لدن رسول الله صلى الله عليه [وآله]
وسلم إلى يومنا هذا ) (بدائع الصنائع 1/320).
وقال أبو البركات في الشرح الكبير: ( وجاز زيارة القبور بل هي مندوبة
بلا حد بيوم أو وقت أو في مقدار ما يمكث عندها أو فيما يدعى به أو
الجميع ، وينبغي مزيد الاعتبار حال الزيادة والاشتغال بالدعاء والتضرع
... ) (الشرح الكبير 1/422) .
وقال منصور البهوتي في الروض المربع : ( تسنّ زيارة القبور وحكاه
النووي إجماعاً لقوله صلى الله عليه [وآله] وسلم: كنت نهيتكم عن زيارة
القبور فزوروها، رواه مسلم والترمذي وزاد فإنها تذكركم الآخرة ) (الروض
المربع 1/355) .
الصلاة والدعاء عند القبر
وأمّا الصلاة والدعاء عند القبور فلا شك في جوازهما حيث لا يوجد دليل
يمكن الاعتماد عليه والركون إليه في المنع من ذلك، فما دلّ على جواز
الصلاة والدعاء في كل مكان هـو دليل جوازهما، وما يستند إليه الوهابيون
من قول منسوب إلى النبي صلى الله عليه وآله : ( لعن الله اليهود
والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ... الخ ) فهو مروي من طرق أهل
السنة ولم تثبت صحة نسبة هذا القول إلى رسول الله صلى الله عليه وآله
عند الشيعة الإمامية الإثني عشرية، وعلى فرض صحة صدور هذا القول منه
صلى الله عليه وآله فإنه لا يدل على ما ذهبوا إليه، أعني لا يدل على
حرمة وعدم جواز الصلاة أو الدعاء عند القبر أو في مكان يوجد فيه قبر ،
فاللعن الذي استحقه اليهود والنصارى لا لكونهم يصلّون عند قبور
أنبيائهم وصلحائهم وإنما لأنهم كانوا يعبدونهم ويسجدون لقبورهم وبلا شك
أن هذا مخالف للشريعة المقدّسة .
إن استدلالهم بهذا القول المنسوب له صلى الله عليه وآله يرده فعل عائشة
التي قضت ما يقرب من خمسين عاماً من عمرها بالصلاة في البيت الذي دفن
فيه رسول الله صلى الله عليه وآله .
وقد رووا بسند صحيح أن فاطمة الزهراء عليها السلام كانت تزور قبر عمّها
حمزة كل جمعة فتصلّي وتبكي عنده، فقد أخرج الحاكم النيسابوري في
المستدرك على الصحيحين فقال: ( حدثنا أبو حميد أحمد بن محمد بن حامد
العدل بالطابران ، حدثنا تميم بن محمد حدثنا أبو مصعب الزهري ، حدثني
محمد بن إسماعيل بن أبي فديك ، أخبرني سليمان بن داود، عن جعفر بن محمد،
عن أبيه ، عن علي بن الحسين ، عن أبيه ، أن فاطمة بنت النبي صلى الله
عليه [وآله] كانت تزور قبر عمّها حمزة كل جمعة فتصلّي وتبكي عنده )
(المستدرك على الصحيحين 1/533 حديث رقم : 1396
ثم قال الحاكم : هذا حديث رواته عن آخرهم ثقات وقد استقصيت في الحث على
زيارة القبور تحرياً للمشاركة في الترغيب وليعلم الشحيح بذنبه أنها سنة
مسنونة وصلى الله على محمد وآله أجمعين ، وأخرجه في نفس المصدر 3/30
حديث رقم : 4319 ، وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، وأخرجه
البيهقي في السنن الكبرى 4/78 برقم : 7000)
فهل الوهابيون أدرى بشريعة النبي صلى الله عليه وآله وحلالها وحرامها
من ابنته الصديقة الزهراء عليها صلوات الله وسلامه ؟! .
إضافة إلى ذلك ففي القرآن الكريم ما يثبت بطلان ما زعموا وذلك في قصة
أحاب الكهف حيث قال عزّ من قائل:{قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى
أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِداً} فهدف أولئك الموحدين
من اتخاذ المسجد فوق مدفنهم إنما هو من أجل أداء الصلاة والفرائض
الدينية ، والله عزّ وجل أقرّ فعلهم ولو كان عملهم خلافاً لتعاليمه
سبحانه لما سكت عنهم كما هو شأنه سبحانه وتعالى في الرّد على أهل
الباطل .
وهذه سيرة المسلمين قائمة على الصلاة والدعاء في المسجد النبوي بجوار
قبر رسول الله صلى الله عليه وآله ، والصلاة والدعاء في المسجد الحرام
عند الكعبة المشرفة مع ( أن إسماعيل وأمه هاجر مدفونان في حجر البيت )،وأنّ
جماعة مـن الأنبياء (مدفونون بين زمزم والمقام) ويصلّون فـي مسجد الخيف
ويقال أن جماعة من الأنبياء أيضاً مدفونون فيه .
ونقلوا عن إمام المالكية مالك بن أنس أنه كان لا يرى بأساً في الصلاة
بالمقابر ، ففي المدونة الكبرى: ( قلت لابن القاسم : هل كان مالك يوسع
أن يصلّي الرجل وبين يديه قبر يكون سترة له ؟ قال : كان مالك لا يرى
بأساً بالصلاة في المقابر وهو إذا صلّى في المقبرة كانت القبور أمامه
وخلفه وعن يمينه وعن يساره .
قال : وقال مالك : لا بأس بالصلاة في المقابر قال وبلغني أن بعض أصحاب
رسول الله صلى الله عليه [وآله] كانوا يصلّون في المقبرة ) (المدونة
الكبرى 1/90) .
وقال عبد الغني النابلسي: ( وأمّا من اتخذ مسجداً في جوار صالح أو صلّى
في قبره ، وقصد به الاستظهار بوجه أو وصول أثر من آثار عبادته إليه لا
للتعظيم له والتوجه إليه فلا حرج إذ مرقد إسماعيل عند الحطيم من المسجد
الحرام ، ثم إن ذلك المكان أفضل مكان يصلّى فيه )(الحديقة الندية 2/631
) .
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.
للكاتب : سماحة الشيخ حسن عبدالله العجمي
http://www.h-alajmi.com