مرحبا بكم في موقع الشيعة نت * نرجوا أن تکونوا معنا فی الموقع لحظات مریحة الصفحة الرئيسة  |   english  |    فارسی  |   آرشيف  |   الاتصال بنا
 
شبهات و ردود سيرة أهل البيت(ع) أخبار الشيعة المتحولين الي الشيعة  آلبوم الصور المواقع الشيعية المکتبة الشيعية المسائل الفقهية  حدیث الأسبوع  المناجاة و الدعاء الصحف و وکالاة الانباء مدائح المقالات

 

 
 

المسح على الأرجل أو غسلها في الوضوء؟
تأليف: السيد عبدالحسين شرف الدين الموسوي

قال السيد عطّر الله مرقده:

اختلف علماء الإسلام في نوع طهارة الأرجل من أعضاء الوضوء، فذهب فقهاء الجمهور ومنهم الأئمة الأربعة إلى وجوب الغسل فرضاً على التعيين، وأوجب داود بن عليّ الأصفهاني، والناصر للحق من أئمة الزيدية، الجمع بين الغسل والمسح.(1) ورب قائل منهم بالتخيير بينهما،(2) والذي عليه الإماميّة (تبعاً لأئمة العترة الطاهرة - ع -) مسحها فرضاً معيناً.(3)

حجة الإماميّة

هي قوله تعالى: (وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين).

وقد كفانا الإمام الرازي بيان الوجه في الاحتجاج بهذه الآية بما صدع به مفصلاً إذ قال: حجّة من قال بوجوب المسح مبنيّة على القرائتين المشهورتين في قوله: (وأرجلكم)قال: فقرأ ابن كثير وحمزة وأبو عمرو وعاصم - في رواية أبي بكر عنه - بالجر، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم - في رواية حفص عنه - بالنصب. (قال): فنقول: أما القراءة بالجر فهي تقتضي كون الأرجل معطوفة على الرؤوس، فكلما وجب المسح في الرأس فكذلك في الأرجل. قال: فإن قيل لم لا يجوز أن يقال: هذا كسر على الجوار، كما في قوله: جحر ضبّ خرب، وقوله: كبير أناس في بجاد مزمّل؟ قلنا: هذا باطل من وجوه:

الأول: أن الكسر على الجوار معدود في اللحن الذي قد يتحمّل لأجل الضرورة في الشعر، وكلام الله يجب تنزيهه عنه.

وثانيها: أن الكسر ]على الجوار[ إنما يصار إليه حيث يحصل الأمن من الالتباس، كما في قوله: جحر ضبّ خرب، فإن من المعلوم بالضرورة أن الخرب لا يكون نعتاً للضب بل

ــــــــــــــــــــــــــــ

1 - نقل ذلك عنهما فخرالدين الرازي حول آية الوضوء من تفسيره الكبير، ج 11، ص 161. وكأنهما وقعا في حيرة فالتبس الأمر عليهما بسبب التعارض بين الآية والأخبار، فأوجبا الجمع عملاً بهما معاً.
2 - كالحسن البصري، ومحمد بن جرير الطبري فيما نقله عنهما الرازي في تفسيره الكبير، ج 11، ص 161 وغيره، وكأنهما حيث كان كل من الكتاب والسنة حقّاً لا يأتيه الباطل، رأيا أن كلاً من المسح و الغسل حق، وأن الواجب أحدهما على سبيل التخيير.
3 - وهذا مذهب ابن عباس وأنس بن مالك وعكرمة والشعبي والإمام أبي جعفر محمد بن علي الباقر (ع) فيما ذكره الرازي في تفسيره، ج 11، ص 161 نقلاً عن تفسير القفّال. قلت: وعليه سائر أئمتنا (ع).

«2»

للجحر، وفي هذه الآية الأمن من الالتباس غير حاصل.

وثالثها: أن الكسر بالجوار إنما يكون بدون حرف العطف، وأما مع حرف العطف فلم تتكلم به العرب.

(قال): وأما القراءة بالنصب فقالوا أيضاً: إنها توجب المسح. وذلك لأن قوله: (وامسحوا برؤوسكم) فرؤوسكم في محل النصب ]بامسحوا لأنه المفعول به [ولكنها مجرورة ]لفظاً[ بالباء، فإذا عطفت الأرجل على الرؤوس جاز في الأرجل النصب عطفاً على محل الرؤوس،(1) و ]جاز[ الجر عطفاً على الظاهر. (قال): إذا ثبت هذا فنقول: ظهر أنه يجوز أن يكون عامل النصب في قوله: (وأرجلكم) هو قوله: (وامسحوا).(2). ويجوز أن يكون هو قوله: (فاغسلوا)،(3) لكنْ العاملان إذا اجتمعا على معمول واحد كان إعمال الأقرب أولى.(4) (قال): فوجب أن يكون عامل النصب في قوله: (وأرجلكم)هو قوله: (وامسحوا)، (قال): فثبت أن قراءة (وأرجلكم) بنصب اللام توجب المسح أيضاً. (قال): ثم قالوا: ولا يجوز دفع ذلك بالأخبار، لأنها بأسرها من باب الآحاد،(5)ونسخ القرآن بخبر الواحد لا يجوز.

هذا كلامه بلفظه(6) لم يتعقّبه، ولكنه قال: إن الأخبار الكثيرة وردت بإيجاب الغسل، والغسل مشتمل على المسح ولا ينعكس، فكان الغسل أقرب إلى الاحتياط، فوجب المصير إليه.(7) (قال): وعلى هذا الوجه يجب القطع بأن غسل الرجل يقوم مقام مسحها... الخ.

قلت: أما أخبار الغسل فستعلم رأي أئمة أهل البيت (ع) وأوليائهم فيها قريباً إن شاء الله تعالى.

ــــــــــــــــــــــــــــ

1 - وهذا في كلام العرب كثير، قالوا: ليس فلان بعالم ولا عاملاً وأنشد بعضهم:
معاوي إننا بشرٌ فأسجح فلسناـــــ بالجبال ولا الحديدا
وقال تأبّط شرّاً:
هل أنت باعث دينار لحاجتناـــــ أو عبدَ ربّ أخا عون بن مخراق
ينصب عبد عطفاً على موضع دينار.
2 - بل يجب ذلك، ولا يجوز كون العامل فاغسلوا لما ستسمعه.
3 - بل لا يجوز ذلك قطعاً لاستلزامه عطف الأرجل على الوجوه، وهذا ممنوع باتفاق أهل اللغة لعدم جواز الفصل بين العاطف والمعطوف عليه بمفرد، فضلاً عن الجملة الأجنبية.
4 - ليس هنا إلا عامل واحد، وهو وامسحوا لما بيّناه.
5 - بل هي مما لم يثبت عندنا أصلاً|.
6 - فراجعه في ص 161 من الجزء الحادي عشر من تفسيره الكبير حول آية الوضوء من المائدة.
7 - لا يأتي الاحتياط إلا بالجمع بين المسح والغسل، لكونهما حقيقتين مختلفتين.

«3»

وأما قوله بأن الغسل مشتمل على المسح فمغالطة واضحة، بل هما حقيقتان لغة وعرفاً وشرعاً.(1) فالواجب هو القطع بأن غسل الأرجل لا يقوم مقام مسحها. لكن الإمام الرازي وقف بين محذورين هما: مخالفة الآية المحكمة، ومخالفة الأخبار الصحيحة في نظره، فغالط نفسه بقوله: إن الغسل مشتمل على المسح، وإنه أقرب إلى الاحتياط، وإنه يلزم مقام المسح، ظنّاً منه أنه قد جمع بهذا الآية والأخبار، ومن أمعن في دفاعه هذا وجده في ارتباك، ولولا أن الآية واضحة الدلالة على وجوب المسح ما احتاج إلى جعل الغسل قائماً مقامه، فأمعن وتأمّل مليّاً.

وعلى هذا المنهاج جرى جماعة من جهابذة الفقه والعربية، منهم الفقيه البحّاثة الشيخ إبراهيم الحلبي، إذ بحث الآية في الوضوء من كتابه - غنية المتملّي في شرح منية المصلّي على المذهب الحنفي - فقال: قرىء في السبعة بالنصب والجر، والمشهور أن النصب بالعطف على وجوهكم والجر على الجوار. (قال): والصحيح أن الأرجل معطوفة على الرؤوس في القراءتين، ونصبها على المحل، وجرّها على اللفظ، (قال): وذلك لامتناع العطف على وجوهكم، للفصل بين العاطف والمعطوف عليه بجملة أجنبية هي (وامسحوا برؤوسكم). (قال): والأصل أن لا يفصل بينهما بمفرد، فضلاً عن الجملة. (قال): ولم نسمع في الفصيح: ضربت زيداً ومررت ببكر وعمراً، بعطف عمراً على زيداً. (قال): وأما الجر على الجوار فإنما يكون على قلة في النعت، كقول بعضهم: هذا جحر ضبّ خرب، وفي التأكيد كقول الشاعر:

يا صاح بلّغ ذوي الزوجات كلّهم ــــ أن ليس وصل إذا انحلّت عرى الذنب

بجر كلّهم على ما حكاه الفرّاء.

(قال): وأما في عطف النسق فلا يكون، لأن العاطف يمنع المجاورة. هذا كلامه بنصه(2).

وممن نهج هذا المنهاج الواضح الإمام أبوالحسن محمد بن عبد الهادي المعروف بالسندي في حاشيته على سنن ابن ماجة، إذ قال (بعد أن جزم بأن ظاهر القرآن هو المسح): وإنما كان المسح هو ظاهر الكتاب، لأن قراءة الجر ظاهرة فيه، وحمل قراءة النصب عليها بجعل العطف على المحل أقرب من حمل قراءة الجر على قراءة النصب، كما صرح به النحاة. (قال): لشذوذ الجوار واطّراد العطف على المحل. (قال): وأيضاً فيه خلوص عن الفصل بالأجنبي بين المعطوف والمعطوف عليه، فصار ظاهر القرآن هو المسح. هذا نصه،(3) لكنه كغيره أوجب حمل القرآن على الأخبار الصريحة بالغسل.

ــــــــــــــــــــــــــــ

1 - لأن الغسل مأخوذ في مفهومه سيلان الماء على المغسول ولو قليلاً، والمسح مأخوذ في مفهومه عدم السيلان والاكتفاء بمرور اليد على الممسوح.
2 - فراجعه في ص 16 من غنية المتملّي المعروف بحلبي كبير، وهو موجود أيضاً في مختصره المعروف بحلبي صغير، وكلاهما منشور مشهور.
3 - في تعليقته على ما جاء في غسل القدمين، ص 88 من الجزء الأول من شرح سنن ابن ماجة، والذين صرّحوا بما صرّح به الرازي والحلبيّ والسندي كثيرون لا يسعنا استقصاؤهم، فحسبنا هؤلاء الأئمة الثلاثة عليهم رحمة الله تعالى.

«4»

وتفلسف الإمام الزمخشري في كشّافه حول هذه الآية إذ قال: الأرجل من بين الأعضاء الثلاثة المغسولة تغسل بصب الماء عليها، فكانت مظنّة للإسراف المذموم المنهي عنه، فعطفت على الثالث الممسوح لا لتمسح، ولكن لينبّه على وجوب الاقتصاد في صبّ الماء عليها (قال): وقيل: (إلى الكعبين) فجيء بالغاية إماطة لظنّ ظانّ يحسبها ممسوحة، لأن المسح لم تضرب له غاية في الشريعة(1).

هذه فلسفته في عطف الأرجل على الرؤوس، وفي ذكر الغاية من الأرجل، وهي كما ترى، ليست في شيء من استنباط الأحكام الشرعيّة من الآية المحكمة، ولا في شيء من تفسيرها، ولا الآية بدالة على شيء منها بشيء من الدوال، وإنما هي تحكم في تطبيق الآية على مذهبه بدلاً عن استنباط المذهب من الأدلة. وقد أغرب في تكهّنه بما لا يصغي إليه إلا من كان غسل الأرجل عنده مفروغاً عنه بحكم الضرورة الأولية، أما مع كونه محل النزاع فلا يؤبه به، ولا سيما مع اعترافهم بظهور الكتاب في وجوب المسح، وحسبنا في ذلك ما توجبه القواعد العربية من عطف الأرجل على الرؤوس الممسوحة بالإجماع نصّاً وفتوىً.



نظرة في أخبار الغسل

أخبار الغسل قسمان: منها ما هو غير دالّ عليه، كحديث عبدالله بن عمرو بن العاص إذ قال - كما في الصحيحين(2) -: تخلّف عنّا النبي (ص) في سفر سافرناه معه فأدركنا وقد حضرت صلاة العصر، فجعلنا نمسح على أرجلنا فنادى: «ويل للأعقاب من النار»(3).

وهذا لو صحّ لاقتضى المسح إذ لم ينكره (ص) عليهم بل أقرّهم عليه كماترى، وإنما أنكر عليهم قذارة أعقابهم، ولا غرو فإن فيهم أعراباً حفاة جهلة بوّالين على أعقابهم، ولاسيّما في السفر، فتوعّدهم بالنار لئلا يدخلوا في الصلاة بتلك الأعقاب المتنجّسة.

ومنها ما هو دالّ على الغسل، كحديث حمران مولى عثمان بن عفّان، إذ قال: رأيت عثمان دعا بوضوء فأفرغ على يديه من إنائه فغسلهما ثلاث مرات، ثم أدخل يمينه في

ــــــــــــــــــــــــــــ

1 - الزمخشري، الكشاف، ج 1، ص 611.
2 - صحيح البخاري، ج 1، كتاب العلم، باب 3 و 30، ص 21 و 32، و ج 1، كتاب الوضوء، باب 27، ص 49، و صحيح مسلم، ج 3، كتاب الطهارة، باب غسل الرجلين، ص 131.
3 - هذه الكلمة - ويل للأعقاب من النار - جاءت أيضاً في حديث كل من عمرو وعائشة وأبي هريرة صحيحة على شرط الشيخين.

«5»

الوضوءثم تمضمض واستنشق واستنثر. الحديث(1). وقد جاء فيه: ثم غسل كل رجل ثلاثاً. ثم قال رأيت النبي (ص) يتوضأ نحو وضوئي. ومثله حديث عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري، وقد قيل له: توضّأ لنا وضوء رسول الله (ص) فدعا بإناء فأكفأ منها على يديه. الحديث(2). وفي آخره: ثم غسل رجليه إلى الكعبين. ثم قال: هكذا كان وضوء رسول الله (ص). إلى غير ذلك من أخبار جاءت في هذا المعنى، وفيها نظر من وجوه:

أحدها أنها جاءت مخالفة لكتاب الله عزّ وجلّ ولما أجمعت عليه أئمة العترة الطاهرة (ع).(3) والكتاب والعترة ثقلا رسول الله (ص) لن يفترقا أبداً ولن تضلّ الأمّة ما إن تمسّكت بهما. فليضرب بكل ما خالفهما عرض الجدار.

وحسبك في إنكار الغسل ووهن أخباره ما كان من حبر الأمّة وعيبة الكتاب والسنة عبدالله بن عباس، إذ كان يحتجّ للمسح فيقول: افترض الله غسلتين ومستحين، ألاترى أنه ذكر التيمّم فجعل مكان الغسلتين مسحتين وترك المستحتين؟(4).

وكان يقول: الوضوء غسلتان ومسحتان.(5) ولما بلغه أن الرُّبيَّع بنت معوذ بن عفراء الأنصارية تزعم أن النبي (ص) توضّأ عندها فغسل رجليه، أتاها يسألها عن ذلك، وحين حدّثته به قال - غير مصدق بل منكراً ومحتجّاً -: إن الناس أبوا إلا الغسل، ولا أجد في كتاب الله إلا المسح.(6)

ثانيها: أنها لو كانت حقّاً لأربت على التواتر، لأن الحاجة إلى معرفة طهارة الأرجل في الوضوء حاجة عامّة لرجال الأمّة ونسائها، أحرارها ومماليكها، وهي حاجة لهم ماسّة في كل يوم وليلة، فلو كانت غير المسح المدلول عليه بحكم الآية لعلمه المكلّفون في عهد النبوّة وبعده، ولكان مسلّماً بينهم ولتواترت أخباره عن النبي (ص) في كل عصر ومصر، فلا يبقى مجال لإنكاره ولا للريب فيه، ولمّا لم يكن الأمر كذلك ظهر لنا الوهن

ــــــــــــــــــــــــــــ

1 - أخرجه البخاري في صحيحه، ج 1، كتاب الوضوء، باب 28، ص 49.
2 - أخرجه مسلم في صحيحه، ج 3، كتاب الطهارة، باب صفة الوضوء، ص 122.
3 - أجمعوا (ع) على وجوب المسح، وتلك نصوصهم في وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، باب وجوب المسح على الرجلين، ص 418 - 423. وفي سائر المؤلّفات في فقههم وحديثهم.
4 - كما في ص 433 من الجزء التاسع من كنزالعمال، وهو الحديث 26842.
5 - كما في ص 433 من الجزء التاسع من الكنز، وهو الحديث 26840: ومنه أخذ الإمام الشريف بحرالعلوم في منظومته الفقهيّة درّة النجف إذ يقول:
إن الوضوء غسلتان عندناــــ ومسحتان والكتاب معنا
فالغسل للوجه ولليدين ــــ والمسح للرأس وللرجلين
6 - أخرجه ابن ماجة فيما جاء في غسل القدمين من سننه، ج 1، ص 458، ص 156، وغير واحد من أصحاب المسانيد.

«6»

المسقط لتلك الأخبار عن درجة الاعتبار.

ثالثها: أن الأخبار في نوع طهارة القدمين متعارضة، بعضها يقتضي الغسل كحديثي حمران وابن عاصم وقد سمعتهما، وبعضها يقتضي المسح كالحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه،(1) ورواه كل من أحمد(2) وابن أبي شيبة(3) وابن أبي عمر البغوي(4) والطبراني(5) والماوردي(6) كلّهم من طريق كلّ رجاله ثقات،(7) عن أبي الأسود عن عبّاد بن تميم المازني عن أبيه قال: رأيت رسول الله (ص) يتوضّأ ويمسح الماء على رجليه.

وكالذي أخرجه الشيخ في الصحيح عن زرارة وبكير ابني أعين عن الباقر (ع) أنه حكى وضوء رسول الله (ص) فمسح رأسه وقدميه إلى الكعبين بفضل كفّيه لم يجدد ماء.(8)

وكما في مجمع البيان عن ابن عباس أنه وصف وضوء رسول الله (ص) فمسح على رجليه.(9)

وحيث تعارضت الأخبار كان المرجع كتاب الله عزّ وجلّ لا نبغي عنه حولاً.


نظرة في احتجاجهم هنا بالاستحسان

ربّما احتجّ الجمهور على غسل الأرجل أنهم رأوه أشدّ مناسبة للقدمين من المسح، كما أن المسح أشدّ مناسبة للرأس من الغسل، إذ كان القدمان لا ينقى دنسهما إلا بالغسل

ــــــــــــــــــــــــــــ

1 - في الاصابة لابن حجر العسقلاني في ترجمة تميم بن زيد المازني (1 / 187): أخرجه البخاري في تأريخه... ولكننا لم نعثر عليه، لا في الصحيح ولا في التأريخ في الطبعات المتوفّرة لدينا، ولعلّه ممّا أسقطته أيدي التحريف.
2 - مسند أحمد بن حنبل، ج 4، ح 16019، ص 40.
3 - راجع: المصنف لابن أبي شيبة، ج 1، كتاب الطهارة، باب المسح على القدمين، ص 30.
4 - راجع تفسير (معالم التنزيل) للبغوي الشافعي، ج 2، المائدة: 6، ص 16.
5 - الطبراني، المعجم الكبير، ج 2، ح 1286، ص 60.
6 - لم نعثر على الحديث في كتاب الحاوي الكبير للماوردي، ولكن هناك آخر في معناه.
7 - وصفهم بكونهم كلّهم ثقات ابن حجر العسقلاني، حيث أورد هذا الحديث في ترجمة تميم بن زيد من الجزء الأول من الإصابة، ص 187، نقلاً عمّن ذكرناهم من أصحاب المسانيد.
8 - راجع وسائل الشيعة للحرّ العاملي، ج 1، كتاب الطهارة، باب 23، ح 1076، ص 414. |
9 - الطبرسي، مجمع البيان، ج 3، ص 164.

«7»

غالباً، بخلاف الرأس فإنه ينقى غالباً بالمسح.

وقد قالوا: إن المصالح المعقولة لا يمتنع أن يكون أسباباً للعبادات المفروضة، حتى الشرع لا حظ فيها معنيين: معنىً مصلحياً ومعنىً عباديّاً، وعنوا بالمصلحي ما يرجع إلى الأمور المحسوسة، وبالعبادي ما يرجع إلى زكاة النفس.

فأقول: نحن نؤمن بأن الشارع المقدس لاحظ عباده في كل ما كلّفهم به من أحكامه الشرعية، فلم يأمرهم إلا بما فيه مصلحتهم، ولم ينههم إلا عما فيه مفسدة لهم، لكنه مع ذلك لم يجعل شيئاً من مدارك تلك الأحكام منوطاً، من حيث المصالح والمفاسد، بآراء العباد، بل تعبّدهم بأدلّة قوية عيّنها لهم، مندوحة عنها إلى ما سواها، وأول تلك الأدلة الحكيمة كتاب الله عزّ وجلّ وقد حكم بمسح الرؤوس والأرجل من الدنس، فلابدّ من إحرازه قبل المسح عليها، عملاً بأدلة خاصة دلّت على اشتراط الطهارة في أعضاء الوضوء قبل الشروع فيه،(1) ولعلّ غسل رسول الله (ص) المدّعى في أخبار الغسل إنما كان من هذا الباب، ولعله من باب التبرّد أو كان من باب المبالغة في النظافة بعد الفراغ من الوضوء والله تعالى أعلم.


تنبيه

أخرج ابن ماجة فيما جاء في غسل القدمين من سننه من طريق أبي إسحاق عن أبي حيّة; قال: رأيت عليّاً توضّأ فغسل قدميه إلى الكعبين ثم قال: أردت أن أريكم طهور نبيّكم(2) (ص).

قال السندي - حيث انتهى إلى هذا الحديث في تعليقته على السنن -: هذا رد بليغ على الشيعة القائلين بالمسح على الرجلين، حيث "الغسل" من رواية عليّ. (قال): ولذلك ذكره المصنّف من رواية عليّ وبدأ به الباب. ولقد أحسن المصنّف وأجاد في تخريج حديث علي في هذا الباب. جزاه الله خيراً.(3)

هذا كلامه بلفظه عفا الله عنه وعن الإمام ابن ماجة وسائر علماء الجمهور، فإنهم يعلمون سقوط هذا الحديث بسقوط سنده من عدّة جهات:

الأولى: أن أبا حيّة راوي هذا الحديث نكرة من أبهم النكرات، وقد أورده الذهبي في الكنى من ميزانه فنصّ على أنه لا يعرف، ثم نقل عن ابن المديني وأبي الوليد الفرضي النص على أنه مجهول. ثم قال: وقال أبوزرعة: لا يسمى(4)، قلت: أمعنت بحثاً عن أبي

ــــــــــــــــــــــــــــ


1 - ولذاترى حفاة الشيعة والعمّال منهم كأهل الحرث وأمثالهم وسائر من لا يبالون بطهارة أرجلهم في غير أوقات العبادة المشروطة بالطهارة، إذا أرادو الوضوء غسلوا أرجلهم ثم توضّأوا فمسحوا عليها جافّة نقيّة.
2 - ابن ماجة، سنن ابن ماجة، ج 1، كتاب الطهارة، باب غسل القدمين، ح 456، ص 155.
3 - المصدر السابق.
4 - الذهبي ميزان الاعتدال، ج 4، الكنى، ترجمة رقم 10138، ص 519.

«8»

حية فما أفادني البحث إلا مزيد الجهل به، ولعله إنما اختلقه مختلق حديثه والله تعالى أعلم.

الثانية: أن هذا الحديث تفرّد به أبوإسحاق،(1) وقد شاخ ونسي واختلط فتركه الناس،(2) ولم يروه عنه إلا أبو الأحوص وزهير بن معاوية الجعفي،(3) فعابهم الناس بذلك.(4) ولا غرو فإن المحدّث إذا اختلط سقط من حديثه كلّ ما لم يحرز صدوره عنه قبل الاختلاط، سواء أعُلم صدوره بعد الاختلاط كهذا الحديث، أم جُهل تاريخ صدوره، لأن العلم الإجمالي في الشبهات المحصورة يوجب اجتناب الأطراف كلّها كما هو مقرّر في أصول الفقه.

الثالثة: أن هذا الحديث يعارض الأحاديث الثابتة عن أميرالمؤمنين (ع) وعن أبنائه الميامين، أهل بيت النبوّة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة ومهبط الوحي والتنزيل، ويخالف كتاب الله عزّ وجلّ، فليضرب به عرض الجدار.

إلى الكعبين

الكعبان في آية الوضوء هما مفصلا الساقين من القدمين(5) بحكم الصحيح عن زرارة وبكير ابني أعين، إذ سألا الإمام الباقر (ع) عنهما،(6) وهو الظاهر مما رواه الصدوق عنه أيضاً،(7) وقد نص أئمة اللغة على أن كلّ مفصل للعظام كعب.(8)

ــــــــــــــــــــــــــــ


1 - كما نصّ عليه الذهبي حيث أورد أبا حيّة في الكنى من ميزانه، ج 4، ص 519، فقال: تفرّد عنه أبو إسحاق بوضوء عليّ فمسح رأسه ثلاثاً وغسل رجليه إلى الكعبين ثلاثاً ثلاثاً.
2 - كما هو مذكور في أحواله - واسمه عمرو بن عبدالله السبيعي - من معاجم التراجم كميزان الاعتدال، ج 3، ترجمة رقم 6393، ص 27، وغيره.
3 - كما نصّ عليه الذهبيّ إذ أورد أبا حيّة وحديثه هذا في ميزان الاعتدال، ج 4، ص 519.
4 - الذهبي، ميزان الاعتدال، ج 2، ترجمة رقم 2921، ص 86، قال: قال الإمام أحمد ـ وقد ذكر زهير بن معاوية هو ثبت فيما روى عن المشايخ ـ (قال): وفي حديثه عن أبي إسحاق لين سمع منه بآخره، انتهى، وقال أبوزرعة: زهير بن معاوية ثقة، إلا أنه سمع من أبي إسحاق بعد الاختلاط، انتهى. وقال الذهبي (بعد أن نقل عن أحمد وأبي زرعة ما قد سمعت): قلت: لين روايته عن أبي إسحاق من قِبَل أبي إسحاق لا من قَبْله.
5 - وقيل هما قبّتا القدمين كما في التهذيب للطوسيّ، ج 1، ص 74. والأوّل أحوط وأقوى.
6 - الشيخ الطوسيّ التهذيب، ج 1، ح 191 / 40، ص 76. في حديث رواه بسنده الصحيح إليهما، وقد قالا للإمام (ع): فأين الكعبان؟ قال (ع): «ها هنا»، يعني: المفصل دون عظم الساق.
7 - روى الصدوق في "من لا يحضره الفقيه" ، ج 1، باب صفة وضوء النبيّ(ص)، ص 36، عن الباقر (ع) وقد حكى صفة وضوء رسول الله (ص)، فقال: ومسح على مقدّم رأسه وظهر قدميه دون عظمي الساقين.
8 - ومعاجم اللغة تعلن ذلك، فراجع مثلاً: القاموس المحيط للفيروزآبادي، ج 1، ص 124، مادّة "كعب".

«9»

وذهب الجمهور إلى أن الكعبين هنا إنما هما العظمان النابتان في جانبي كل ساق.(1)واحتجّوا بأنه لو كان الكعب مفصل الساق عن القدم لكان الحاصل في كلّ رجل كعباً واحداً، فكان ينبغي أن يقول وأرجلكم إلى الكعاب، كما أنه لمّا كان الحاصل في كلّ يد مرفقاً واحداً قال: (وأيديكم إلى المرافق).

(قلت): ولو قال هنا إلى المرفقين لصحّ بلا إشكال، ويكون المعنى فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى مرفقي كلّ منكم، وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين من كلّ منكم، فتثنية الكلمتين في الآية وجمعها في الصحّة سواء، وكذلك جمع إحداهما وتثنية الأخرى ولعلّ التفنّن في التعبير قد اقتضاه.

هذا إذا كان الحاصل في كل رجل كعباً واحداً، أما إذا كان الحاصل في كل رجل كعبين فلا يبقى لكلامهم وجه، وقد أجمع علماء التشريح على أن هناك عظماً مستديراً مثل كعب البقر والغنم تحت عظم الساق، حيث يكون مفصل الساق والقدم يسمّى كعباً أيضاً،(2) وعليه فمسح كلّ رِجل ينتهي إلى كعبين اثنين هما المفصل نفسه والكعب المستدير تحته. وفي تثنية الكعب في الآية دون المرفق نكتة لطيفة وإشارة إلى ما لا يعلمه إلا علماء التشريح فسبحان الخلاّق العليم الحكيم.

المسح على الخفّين والجوربين

اختلف فقهاء الإسلام في المسح على الخفّين والجوربين اختلافاً كثيراً لا يحاط به في هذه العجالة، وبالجملة فالبحث عنه يتعلق بالنظر في جوازه وعدم جوازه، وفي تحديد محلّه، وفي تعيين محلّه، وفي صفة محلّه، وفي توقيته، وفي شروطه، وفي نواقضه.

أما الجواز ففيه ثلاثة أقوال:

ــــــــــــــــــــــــــــ

1 - الرازي، التفسير الكبير: ج 11، ص 162.|
2 - وقد ذهب محمد بن الحسن الشيباني والأصمعي إلى أن الكعب في آية الوضوء إنما هو هذا العظم تحت الساق. وكان الأصمعي يقول: إن العظمين الناتئين في جانب الساق يسمّيان المنجمين، وظنّ الرازي أن هذا هو مذهب الإماميّة، فردّ عليهم بأن العظم المستدير الموضوع تحت الساق شيء خفيّ لا يعرفه إلا المشرّحون، بخلاف الناتئين في طرفي كلّ ساق فإنهما محسوسان، قال: "ومناط التكاليف الظاهرة يجب أن يكون شيئاً ظاهراً" كما في تفسيره الكبير، ج 11، ص 162، والجواب: أن الرازي لمّا رأى الإماميّة يمسحون إلى مفصل الساق ظنّهم يقولون بما قاله الشيباني والأصمعي، ولم يدر أن الكعب عندهم هو المفصل نفسه المحسوس المعلوم لكلّ أحد.

«10»

أحدها: الجواز مطلقاً سفراً وحضراً.

ثانيها: الجواز في السفر دون الحضر.

ثالثها: عدم الجواز بقول مطلق لعدم ثبوته في الدين. والأقوال الثلاثة مرويّة عن الصدر الأول وعن مالك.(1)

وأما تحديد محلّه فاختلفوا فيه أيضاً بين قائل بأن الواجب من ذلك مسح أعلى الخفّ وأن مسح أسفله مستحبّ.(2) وقائل بأن الواجب مسح ظهورها وبطونها،(3) وقائل ثالث بأن الواجب مسح الظهور دون البطون، فإن مسح البطون لا واجب ولا مستحب(4)، وربّ قائل بالتخيير بين مسح الباطن والأعلى فأيّهما مسح كان واجباً.(5)

وأما نوع المحل فإن القائلين بالمسح على الخفّين اختلفوا في المسح على الجوربين فأجازه قوم ومنعه آخرون.(6)

وأما صفة الخفّ فقد اختلفوا في المسح على الخفّ المخرّق، فمنهم من قال بجواز المسح عليه مادام يسمّى خفّاً، وإن تفاحش خرقه،(7) ومنهم من منع أن يكون في مقدّم الخفّ يظهر منه القدم ولو يسيراً،(8) ومنهم من أجاز المسح عليه بشرط أن يكون الخرق يسيراً.(9)

وأما التوقيت فقد اختلفوا فيه، فمنهم من ذهب إلى أنه غير مؤقّت وأنّ لابس الخفّين يمسح عليهما ما لم ينزعهما أو تصيبه جنابة،(10) ومنهم من ذهب إلى أن ذلك مؤقّت بوقت خاصّ للحاضر، ووقت آخر للمسافر،(11) ولهم هنا اختلاف في وصف السفر واختلاف في مسافته.

ــــــــــــــــــــــــــــ


1 - نصّ على هذا الإمام الفقيه الأصولي الفيلسوف ابن رشد في ص 18 من الجزء الأول من كتابه بداية المجتهد ونهاية المقتصد.
2 - هذا رأي الشافعي، أنظر ابن رشد، ص 19.
3 - هذا مذهب ابن نافع، أنظر المصدر السابق.
4 - هذا مذهب أبي حنيفة وداود وسفيان وجماعة آخرين، أنظر المصدر السابق.
5 - هذا رأي أشهب، أنظر المصدر السابق.
6 - أجازه سفيان الثوري وأبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني، ومنعه أبو حنيفة والشافعي وآخرون، أنظر المصدر السابق.
7 - هذا مرويّ عن سفيان الثوري، أنظر ابن رشد، ص 20.
8 - هذا أحد قولي الشافعي في المسألة، أنظر المصدر السابق.
9 - هذا مرويّ عن مالك وأصحابه، وحدّد أبو حنيفة الخرق بأن يكون أقلّ من ثلاثة أصابع، أنظر ابن رشد، ص 20.
10 - هذا مرويّ عن مالك، أنظر ابن رشد، ص 21.
11 - هذا مذهب أبي حنيفة والشافعي، أنظر المصدر السابق.

«11»

وأما شرط المسح على الخفّين فهو أن تكون الرجلان طاهرتين عند لبس الخفّين بطهر الوضوء، وهذا الشرط قال به أكثرهم، لكن روي عن مالك عدم اشتراطه.(1) واختلفوا في هذا الباب فيمن غسل رجليه ولبس خفّيه ثم أتمّ وضوءه هل يكتفي بما كان منه من غسل رجليه قبل لبسهما أم لابدّ من المسح عليهما؟ فهنا قولان.(2)

وأما النواقض المختلف فيها فمنها نزع الخفّ. فقد قال قوم ببقاء طهارته إذا نزع خفّيه، حتى يحدث حدثاً ينقض الوضوء، وليس عليه غسل رجليه،(3) وقال بعضهم بانتقاض طهارته بمجّرد نزع خفّيه،(4) وقال آخرون ببقاء طهارته إن غسل قدميه بعد نزع الخفّين، أما إذا صلّى ولم يغسلهما أعاد الصلاة بعد غسلهما.(5) إلى غير ذلك من أقوال لهم مختلفة ومذاهب تتعلّق بالمسح على الخفّين متباينة، لسنا الآن في صدد تفصيلها.

والذي عليه الإماميّة خلفاً عن سلف - تبعاً لأئمة العترة الطاهرة (ع) - عدم جواز المسح على الخفّين، سواء أكان ذلك في الحضر أم في السفر، وحسبنا حجّة على هذا قوله عزّ من قائل: (وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين)، لاقتضائه فرض المسح على الأرجل أنفسها.

فمن أين جاء المسح على الخفّين؟ أنُسخت هذه الآية؟ أم هي من المتشابهات؟ كلا بل هي - إجماعاً وقولاً واحداً - من المحكمات اللاتي هنّ أمّ الكتاب، وقد أجمع المفسّرون(6) على أن لا منسوخ في سورة المائدة المشتملة على آية الوضوء إلا آية واحدة هي: (يا أيّها الذين آمنوا لا تحلّوا شعائر الله)(7)، إذ قال بعضهم بنسخها دون ما سواها من آيات تلك السورة المباركة.

أما الأخبار الدالة على الترخيص بالمسح على الخفّين فلم يثبت منها شيء على شرطنا، وقد دلّنا على وهنها مضافاً إلى ذلك أمور:

أحدها: أنها جاءت مخالفة لكتاب الله عزّ وجلّ، والمأثور عن رسول الله (ص) أنه قال: «إذا روي لكم عنّي حديث فاعرضوه على كتاب الله فإن وافقه فاقبلوه وإلا

ــــــــــــــــــــــــــــ


1 - ذكر ذلك ابن لبانة في المنتخب، وقد روى عن ابن القاسم عن مالك، أنظر المصدر السابق.
2 - فممن قال بالاكتفاء أبوحنيفة، وممّن قال بعدمه الشافعي، أنظر ابن رشد، ص 22.
3 - وممّن قال بهذا القول داود وابن أبي ليلى، أنظر ابن رشد، ص 23.
4 - هذا رأي الحسن بن حي، أنظر ابن رشد، ص 23.
5 - ممّن قال بذلك الشافعي، وبكل واحد من هذه الأقوال الثلاثة قالت طائفة من فقهاء التابعين، أنظر ابن رشد، ص 22.
6 - نقل هذا الإجماع فخرالدين الرازي، ص 130 من الجزء الحادي عشر من تفسيره الكبير.
7 - المائدة: 2.

«12»

فردّوه».(1)

ثانيها: أنها جاءت متعارضة في أنفسها، ولذا كثر ا لاختلاف بين مصحّحيها العاملين على مقتضاها كما علمته، مما أشرنا إليه قريباً، فإنهم إنما تعارضوا في أقوالهم لتعارضها، إذ هي مستندهم في تلك الأقوال.(2)

ثالثها: إجماع أئمة العترة الطاهرة عليّ وبنيه الأوصياء (ع)" على القول بعدم جواز المسح على كل حائل، سواء في ذلك الخفّ والجورب والحذاء وغيرها من سائر الأجناس والأنواع،(3) وأخبارهم صريحة بالمعارضة لأخبار الجمهور(4) الدالة على الجواز، والقاعدة المسلّمة في الأخبار المتعارضة تقديم ما وافق منها كتاب الله عزّ وجلّ. هذا إذا تكافأت سنداً ودلالة، وأنّى يكافأ ثقل رسول الله (ص) وأعدال كتاب الله تعالى وسفن نجاة الأمّة وباب حطّتها وأمانها من الاختلاف.

رابعها: أنها لو كانت حقّاً لتواترت في كلّ عصر ومصر، لأن الحاجة إلى معرفة طهارة الأرجل في الوضوء حاجة - كما قلنا سابقاً - عامّة لرجال الأمّة ونسائها، وهي حاجة لهم ماسّة في كل يوم وليلة من أوقات حضرهم وسفرهم، فلو كانت غير المسح المدلول عليه بالآية لعلمه المكلّفون في عهد النبوّة وبعده، ولكان مسلّماً بينهم في كلّ خلف،

ــــــــــــــــــــــــــــ


1 - تجد هذا الحديث في ص 163 من الجزء الحادي عشر من تفسير الرازي.
2 - كما اعترف به ابن رشد في أول ص 19 من الجزء الاول من بدايته، حيث ذكر اختلافهم في تحديد محل المسح. فقال: وسبب اختلافهم تعارض الآثار الواردة في ذلك، واعترف به ايضاً في ص 19، حيث ذكر اختلافهم في توقيت المسح إذ قال: والسبب في اختلافهم اختلاف الآثار في ذلك. (قال): وذلك أنه ورد في هذا ثلاثة أحاديث. ثم أوردها بنصّها، فكان الأول فيها صريحاً في كون الوقت ثلاثة أيام ولياليهنّ للمسافر ويوماً وليلة للمقيم، وكان الثاني نصّاً في الترخيص بالمسح على الخفّين ما بدا للمكلّف أن يمسح من غير توقيت، لا في الحضر ولا في السفر، وكان نصّ الثالث مخالفاً لسابقيه... ومن أراد التوسّع في معرفة اختلاف الأئمة حول هذه المسألة فعليه بكتاب الفقه على المذاهب الأربعة الذي أخرجته وزارة الأوقات المصرية.
3 - روى إجماعهم (ع) على هذا غير واحد من أعلام الإماميّة، أحدهم الإمام السيد علي الطباطبائي في كتابه البرهان القاطع، ج 1، كتاب الطهارة، كيفية مسح الرجلين، ص 275 ـ 280، وأعلام الإماميّة يدينون لله متقرّبين اليه بالعمل على ما يقتضيه مذهب أئمة أهل البيت (ع) في الفروع والأصول منذ عهدهم (ع) إلى يومنا، فهم أعرف الناس بفقههم وحديثهم وسرّهم وعلانيتهم.
4 - أخبارهم المعارضة لأخبار الجمهور في هذه المسألة كثيرة، حتى قال الإمام الطباطبائي في برهانه القاطع، ج 1، كتاب الطهارة، كيفية مسح الرجلين، ص 277 حيث ذكرها: ولا يبعد تواترها.

«13»

ولاسيّما مع مجيئه عبادة محضة غير معقولة المعنى،(1)، غريبة في باب العبادات، تستوجب الشهرة بغرابتها، ولمّا لم يكن الأمر كذلك ظهر لنا وهن أخبارهم المسقط لاعتبارها.

خامسها: أنه لو فرض صحّتها لوجب أن تكون منسوخة بسورة المائدة، لأنها آخر سورة نزلت، وبها أكمل الله الدين وأتمّ النعمة ورضي الإسلام ديناً، فواجبها واجب إلى يوم القيامة وحرامها حرام إلى يوم القيامة، كما نصّت عليه أمّ المؤمنين عائشة، وقد قالت لجبير بن نفير - إذ حجّ فزارها -: يا جبير تقرأ المائدة؟ فقلت: نعم. قالت: أمّا أنها آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلّوه وما وجدتم من حرام فحرّموه.(2)

ولكن الجمهور يتشبّثون في بقاء حكم المسح على الخفّين بعد نزولها بحديث جرير، إذ بال ثم توضّأ ومسح على خفّيه. فقيل: تفعل هذا؟ فقال: نعم، رأيت رسول الله (ص) بال ثم توضّأ ومسح على خفّيه(3).

رواه مسلم، وروى أن هذا الحديث كان يعجبهم، وعلّل ذلك بأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة(4).

قلت: بل أسلم قبل نزول المائدة بدليل حضوره حجّة الوداع مع رسول الله (ص)، وقد أمره (ص) يومئذ - كما في ترجمته من الإصابة نقلاً عن الصحيحين - أن يستنصت الناس(5).

فإسلامه لابدّ أن يكون قبل تلك الحجّة، ونزول المائدة لم يكن قبلها يقيناً.(6)

ــــــــــــــــــــــــــــ


1 - لكن الإمام أبا حنيفة يرى أن الوضوء من الواجبات التوصّلية، لا تتوقّف صحّته على نيّة كغسل الثوب المتنجّس، وهذا الرأي في المسح على الخفّين في الخصوص كما ترى، راجع: الفقه على المذاهب الخمسة، محمّد جواد مغنيّة، ص: 35.
2 - أخرجه الحاكم في أول تفسير سورة المائدة، ص 311 من الجزء الثاني من المستدرك، ثم أخرج نحوه عن عبدالله بن عمرو بن العاص، وقال بعد إيراد كل من الحديثين: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقد أورده الذهبي في تلخيصه مرمزاً إلى صحّته على شرط الشيخين.
3 - مسلم، صحيح مسلم، ج 3، كتاب الطهارة، باب المسح على الخفّين، ص 164.
4 - قال النووي في تعليقه على هذا الكلام: إن الله تعالى قال في سورة المائدة: (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم ورجلكم إلى الكعبين)، فلو كان إسلام جرير متقدّماً على نزول المائدة لا حتمل كون حديثه في مسح الخفّ منسوخاً بآية المائدة، فلمّا كان إسلامه متأخّراً علمنا أن حديثه يعمل به... إلى آخر كلامه. قلت: من أين لنا العلم بتأخّره وقد بيّنا في الأصل تأخّر المائدة؟
5 - العسقلاني، الاصابة، ج 1، ص 234.
6 - وحسبك ما أخرجه البخاري في صحيحه في الجزء الخامس من كتاب التفسير في تفسيره لسورة المائدة من نزول بعض آياتها على رسول الله (ص) يوم عرفة وهو على راحلته في حجّة الوداع.

وأيضاً اخرج الطبراني عن جرير، قال: قال رسول الله (ص): «إن أخاكم النجاشي قد مات»،(1) وموت النجاشي إنما كان قبل نزول المائدة إذ لا كلام في انه مات قبل السنة العاشرة.(2)

وللقسطلاني هنا تشبّث آخر غريب، إذ قال - حول المسح على الخفّين -: وليس المسح بمنسوخ، لحديث المغيرة ]الصريح بمسح النبيّ (ص) خفّيه[ في غزوة تبوك، وهي آخر غزواته، والمائدة نزلت قبلها في غزوة المريسيع.... إلى آخر كلامه(3).

قلت: غزوة المريسيع هي غزوة بني المصطلق، كانت لليلتين خلتا من شعبان سنة خمس، وقيل: سنة أربع، كما في صحيح البخاري،(4) نقلاًعن ابن عقبة، وعليه جرى النووي في الروضة، وقيل: سنه ستّ للهجرة، وقد نزلت بعدها المائدة وكثير من السور، وإنما نزلت فيها آية التيمّم، وهي قوله تعالى في سورة النساء: (وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمّموا صعيداً طيّباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان غفوراً رحيما).(5)

والرواية في ذلك ثابتة عن عائشة أخرجها الواحدي في كتابه أسباب النزول(6)، فراجع، لتكون على يقين من أن القسطلاني قد اشتبهت عليه آية الوضوء بآية التيمّم، على أن المغيرة وجريراً ممّن لا نحتجّ بهم، وعن قريب تقف على ما أرابنا في المغيرة، ولجرير سيرة مع الوصيّ (ع) أو جبت لنا الريب فيه أيضاً.

سادسها: أن عائشة أمّ المؤمنين كانت - على مكانتها من الدراية والفطنة ومكانها من مهبط الوحي والتشريع - تنكر المسح على الخفّين أشدّ الإنكار، وابن عباس - وهو حبر الأمّة وعيبة الكتاب والسنة بلا مدافع - كان من أشدّ المنكرين أيضاً، وقد بلغا في إنكارهما أبعد غاية يندفع فيها المنكر اندفاع الثائر، ألا تمعن معي في قولها(7): لأن تقطع قدماي أحبّ إليّ من أن أمسح على الخفّين؟ وفي قوله]ابن عباس[: لأن أمسح على جلد حمار أحبّ إليّ من أن أمسح على الخفّين.

بجدّك هل يجتمع هذا الشكل من الإنكار مع اعتبار تلك الأخبار؟! كلا، بل لا يجتمع مع

ــــــــــــــــــــــــــــ


1 - الطبراني، المعجم الكبير، ج 2، ح 2346، ص 323.
2 - ابن الأثير، الكامل في التأريخ، ج 2، ص 292 يقول: في السنة التاسعة نعى النبيّ (ص) النجاشي للمسلمين.
3 - القسطلاني، إرشاد الساري، ج 1، كتاب الوضوء، باب المسح على الخفّين، ص 499.
4 - صحيح البخاري، ج 5، كتاب المغازي، غزوة المريسيع، ص 54.
5 - النساء: 43.
6 - الواحدي، أسباب النزول، ص 102.
7 - تجد قولها هذا في ص 163 من الجزء الحادي عشر من تفسير الرازي، وهناك كلمة ابن عباس.

«15»

احترامها، وإذا كانت هذه أقوال المشافهين بها العارفين بغثّها وسمينها، فكيف يتسنّى لنا الركون إليها على بعدنا المتنائي عنها قروناً وأحقاباً؟

ومن أمعن محرّراً في إنكار الأذنين من رسول الله (ص) كزوجته وابن عمّه وسائر الهداة القادة من عترته اضطرّه ذلك إلى الريب في تلك الأخبار.

ومن هنا نعلم أن القول بتواترها إسراف وجزاف. أتبلغ حدّ التواتر ثم يجهلها هؤلاء السفرة البررة؟! أو يتجاهلونها؟! سبحانك هذا بهتان عظيم.

بل لو كانت متواترة ما أنكرها عبدالله بن عمر(1) والإمام مالك في إحدى الروايتين عنه(2) ولا غيرهما من السلف الصالح وصالح المؤمنين.

وأجحف كل الإجحاف من قال: أخاف الكفر على من لا يرى المسح على الخفّين،(3)ويرى أن المسح على الخفّين لا هو من أصول الدين، ولا هو من الضروريّات من فروعه، ولا هو ممّا افترضه الكتاب، ولا هو - بإجماع الأمّة - مما أوجبته السنة، وإنما هو مجرّد رخصة عند قوم من المسلمين دون آخرين منهم. فأي جناح بتركه عملاً بما افترضته آية الوضوء؟ وقد أجمع أهل القبلة على صحّة العمل بمقتضاها، وتصافقوا على استباحة الصلاة، بخلاف المسح على الخفّين، فإن صحّة الوضوء معه ورفع الحدث به واستباحة الصلاة فيه محلّ خلاف بين المسلمين. فهل يخشى الكفر على من أخذ بالاحتياط؟! وما رأيكم في عائشة وعليّ (ع) وابن عباس وسائر أهل البيت (ع) إذ لم يروا المسح على الخفّين يا مسلمون؟!.

المسح على العمامة

ذهب علماؤنا إلى عدم جواز المسح على العمامة، وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة ومالك، وخالف الإمام أحمد بن حنبل وأبو ثور والقاسم بن سلام والأوزاعي والثوري(4). والخلاف منقول عن غيرهم أيضاً، فقالوا بالجواز قياساً على الخفّ، وعملاً بحديث المغيرة بن شعبة أن رسول الله (ص) مسح بناصيته وعلى العمامة، وفي بعض طرقه أنه

ــــــــــــــــــــــــــــ


1 - قال عطاء كما في ص 164 من الجزء الحادي عشر من تفسير الرازي كان ابن عمر يخالف الناس في المسح على الخفّين، لكنه لم يمت حتى وافقهم. قلت: وإنكاره على سعد إذ رآه يمسح على خفّيه ثابت في صحيح البخاري، ج 1، كتاب الوضوء، باب المسح علي الخفّين، ص 58.
2 - تجد الروايتين عنه في ص 164 من الجزء الحادي عشر من تفسير الرازي، وفي مظانّ ذلك من الكتب الفقهية.
3 - فممّن قال ذلك الكرخي، كما نقله عنه القسطلاني في إرشاد الساري، ج 1، كتاب الوضوء، باب المسح على الخفّ، ص 499. |
4 - هذا الخلاف نقله ابن رشد في بدايته، ج1، ص13، عن أحمد وأبي ثور والقاسم بن سلام، ونقله الرازي في تفسيره، ج11، ص160، عن الاوزاعي والثوري وأحمد.

«16»

مسح على العمامة، ولم يذكر الناصية.(1)

وحسبنا كتاب الله عزّ وجلّ (وامسحوا برؤوسكم) وسنّة رسوله مسحه بناصيته (ص)، وهذا مسلّم لا يحتاج إلى بيان، والإجماع منعقد عليه منقولاً ومحصلاً والحمد لله ربّ العالمين.

ولا حجّة بالقياس على الخفّ لأن دين الله لا يصاب بالقياس على أن المسح على الخفّ كما علمت.

أما حديث المغيرة فباطل، وإن أخرجه مسلم. وقد قال فيه أبو عمر بن عبدالبر: إنه حديث معلول.(2) قلت: ولعلّ للحدود فيما يحبّ وفيما يكره، ولا سيّما مع من يواليهم من أعداء آل محمد (ص)، ومع من يعاديهم من أولياء الله ورسوله.

دخل في الإسلام حقناً لدمه من بني مالك، وذلك أنه وفد مع جماعة من أشرافهم على المقوقس وهو في الإسكندرية، ففاز المالكيّون دونه بجائزة الملك، فحمله الطمع بها على الغدر بهم، فدعاهم إلى الشراب وهم مستسلمون لصحبته، فجعل يسقيهم حتى إذا أخذ السكر مأخذه من مشاعرهم عدا عليهم فقتلهم عن آخرهم، فصفت له أموالهم، وحيث لم يجد متعصماً من أهلهم غير الالتحاق بالإسلام وفد على رسول الله (ص) وهو في المدينة، فدخل عليه يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً (ص) رسول الله، فقبل إسلامه جرياً على سنّته في ذلك مع المؤمنين ومع المنافقين، وحين عرض عليه أموال بني مالك ترفّع عنها، وكان له أخذها، لأنها من أموال المحاربين المستحلّين منه ما حرّم الله تعالى، لكن لما كان أخذها غدراً أبت نفسه القدسيّة قبولها فأوفرها عليه.(3)

إن اسلامه هذا يعطيك صورة من مبادعه ودواعيه، وقد شهد عليه أبوبكرة - وهو من فضلاء الصحابة - وأصحابه بما يوجب الحدّ في قضية مشهورة من حوادث سنة 17 للهجرة(4). فكيف نعارض القرآن الحكيم بحديثه يا أولي الألباب؟!

ــــــــــــــــــــــــــــ

1 - صحيح مسلم، ج 3، كتاب الطهارة، باب المسح على مقدم الرأس، ص 171 ـ 174.
2 - نقله عنه ابن رشد في ص 14 من الجزء الأول من بدايته.
3 - أخرج هذه القضية ابن سعد في ترجمة المغيرة ص 285، من الجزء الرابع من كتاب الطبقات بسنده إلى المغيرة نفسه، قال: كنّا قوماً من العرب متمسّكين بديننا ونحن سدنة اللات، فأراني لو رأيت قومنا قد أسلموا ما تبعتهم، فأجمع نفر من بني مالك الوفود على المقوقس وأهدوا له هدايا، فأجمعت الخروج معهم. الحديث، وقد سمعت مضمونه.
4 - تجد تفصيلها في ترجمة يزيد بن زياد الحميري من وفيات الأعيان لابن خلّكان، ج 6، ص 364. وأشار إليها أصحاب المعاجم في التراجم، إذ ترجموا المغيرة والشهود عليه وهم: أبوبكرة وشبل بن معبد الصحابيّان ونافع بن الحارث بن كلّدة وزياد بن أبيه، وهي ممّا لا يخلو منها كتاب يشتمل على حوادث سنة 17 للهجرة.

«17»

هل لمسح الرأس حدّ؟

ذهب علماؤنا إلى أنه لا حدّ في مسح الرأس لا للماسح ولا للمسوح، بل يكفي عندهم مسمّاه ولو بأقل مصاديقه العرفية،(1) وهذا مذهب الشافعي أيضاً. وذهب الإمامان مالك وأحمد وجماعة آخرون إلى أن الواجب مسح الرأس كلّه، وذهب الإمام أبوحنيفة إلى أن الواجب مسح ربعه بثلاث أصابع، حتى أن من مسحه بأقل من ذلك لا يجزىء عنده(2).

حجّتنا في ذلك قوله تعالى: (وامسحوا برؤوسكم) إذ المراد إلصاق المسح بالرأس مطلقاً، وهذا كما يتحقّق بالاستيعاب وبالربع، يتحقّق بأقل مسمّى المسح، ولو بجزء من إصبع ممرّاً له على جزء من الرأس، ولا دليل على شيء ممّا قالوا بالخصوص، ولو أراد الاستيعاب لقال سبحانه: وامسحوا رؤوسكم، كما قال: (فاغسلوا وجوهكم)، ولو كان المراد قدراً مخصوصاً لبيّنه كما فعله في غسل اليدين، إذ قال: (إلى المرافق) وفي مسح الرجلين إذ قال: (إلى الكعبين).


ستة فروع خلافية

1 - مسح الأذنين:

أجمع الإماميّة - تبعاً لأئمة العترة الطاهرة (ع) - على أن مسح الأذنين ليس من الوضوء في شيء، إذ لا دليل عليه من كتاب أو سنّة أو إجماع، بل صريح الكتاب أن الوضوء غسلتان - للوجه ولليدين -، ومسحتان - للرأس وللرجلين -.

وقال الحنابلة بافتراض مسح الأذنين مع سماخيهما،(3) ونقل ابن رشد هذا القول عن أبي حنيفة وأصحابه، وقال: قال الشافعي ومالك: مسحهما سنّة. واختلفوا في تجديد الماء لهما وعدم تجديده، وشذّ قوم منهم فذهبوا إلى أنهما يغسلان مع الوجه. وقال آخرون: يمسح باطنهما مع الرأس ويغسل ظاهرهما مع الوجه، ويستحب الشافعي فيهما التكرار كما يستحبه في مسح الرأس.(4)

احتجّوا بأخبار واهية لم يثبت شيء منها عندنا، والشيخان البخاري ومسلم لم يأبها بشيء منها، وإنما اعتبرها معتبروها مع ضعفها عندهم لجبرها بشهرة العمل فيما بينهم.

لكن أئمة الهدى (ع) من ثقل رسول الله (ص) لم يأبهوا بها، وهم أهل بيت النبوة وأهل

ــــــــــــــــــــــــــــ


1 - وحيث كان رسول الله (ص) يمسح على مقدّم رأسه اختصّوه بالمسح، اقتصاراً على القدر المتيقّن.
2 - نقله عنهم ابن رشد في بدايته، ج 1، ص 12.
3 - الجزيري، الفقه على المذاهب الأربعة، ج 1، كتاب الطهارة، فرائض الوضوء، ص 62.
4 - راجع: بداية المجتهد، ص 14 - 13 من جزئه الأول.

«18»

البيت أدرى بالذي فيه وحسبنا الثقلان.

2 - هل يجزىء غسل الرأس بدلاً عن مسحه:

أهل المذاهب الأربعة متّفقون على أن غسل الرأس في الوضوء يكفي عن مسحه، غير أنهم اختلفوا في كراهة ذلك وعدم كراهته، فالحنفيّة والمالكيّة قالوا بكراهته، محتجّين بأنه خلاف ما أمر الله به، والشافعيّة قالوا: إنه ليس بمكروه، ولكنه خلاف الأولى. والحنابلة قالوا: إنه إنما يجزىء الغسل هنا بدل المسح، بشرط إمرار اليد على الرأس.(1)

أما الإماميّة فمجمعون على عدم الإجزاء، لأنه خلاف ما أمر الله به، وخلاف الثابت عن رسول الله (ص) من مسح ناصيته الشريفة دون غسلها، وإذن يكون تشريعاً في العبادة باطلاً في نفسه مبطلاً لها. وقد علمت ممّا قلناه آنفاً أن الغسل والمسح حقيقتان مختلفتان لا يغني أحدهما عن الآخر.

3 - الترتيب في الوضوء:

أجمع الإماميّة - تبعاً لأئمّة العترة الطاهرة (ع) - على اشتراط الترتيب في أفعال الوضوء على نسق ما هو مرتّب في آياته الكريمة(2).

وذهب المالكيّة والحنفيّة وسفيان الثوري وداود إلى عدم اشتراطه وعدم وجوبه، واعتبروه سنّة لا يبطل الوضوء بمخالفتها. وقالوا بصحّة وضوء المتوضّىء إذا ابتدأ بغسل رجله اليسرى، منتهياً من الوضوء بغسل وجهه، على عكس الآية في كل أفعاله(3).

حجّتنا في ذلك الكتاب والسنّة. أما الكتاب فلتبادر الترتيب منه، وإن كان العطف فيه بالواو. لا بثمّ ولا بالفاء، لأن الواو كثيرة ما يعطف بها الأشياء المرتّبة ولا تجوّز في ذلك، وهذا ثابت باستقراء كلام العرب لا ريب فيه لأحد، ولذا قال الكوفيّون من النحاة بأنها حقيقة في الترتيب والنسق بالخصوص، وإن كانت ثمّ والفاء أظهر منها في ذلك.

وأما السنّة فوضوء رسول الله (ص) إذ كان ملتزماً فيه بالترتيب، سواء أكان وضوؤه لإحدى الفرائض الخمس أم كان لغيرها من واجب أو ندب، وقد كان مدة حياته (ص) على طهارة يسبغ الوضوء كلمّا انتقض، ويسبغ الوضوء على الوضوء، وربّما قال (ص) إنه: نور على نور(4). وقد أجمعت الأمّة على أنه (ص) لم يتوضّأ قط إلا مرتّباً، ولو لا اشتراط الترتيب وافتراضه في الوضوء لخالفه ولو مرة واحدة، أو صدع بجواز المخالفة بياناً للحكم، كما هي سنّته، وحيث لم يخالف الترتيب ولم يصدع بجواز المخالفة علمنا

ــــــــــــــــــــــــــــ


1 - الجزيري، الفقه على المذاهب الأربعة، ج 1، كتاب الطهارة، فرائض الوضوء، ص 57 - 62.
2 - واشترطوا الترتيب في نفس الأعضاء، فأوجبوا غسل الأعلى قبل الأسفل اقتداء بأئمّتهم وعملاً بنصوصهم (ع).
3 - نقل ذلك عنهم ابن رشد في بداية المجتهد، ج1، ص 16 ـ 17.
4 - الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج 1، ص 41، ح 82.

«19»

عدم جوازها، على أن الأصل العملي يوجب هنا إحراز الشيء المشكوك في شرطيّته، واستصحاب الحدث جار مع عدم إحرازه.

4 - الموالاة:

ذهب علماؤنا - تبعاً لأئمّتهم (ع) - إلى أن الموالاة بين أفعال الوضوء شرط في صحته، وضابطها أن لا يجفّ العضو السابق - عند اعتدال الزمان والمكان ومزاج المتوضّىء - قبل الفراغ من العضو اللاحق.

وذهب الشافعيّة والحنفيّة إلى أن الموالاة ليست بفرض ولا بشرط ولا بواجب، وإنما هي سنّة، فيكره عندهم التفريق بين الأعضاء إذا كان بغير عذر، أما للعذر فلا يكره، وذلك كما إذا كان ناسياً، أو فرغ الماء المعدّ لوضوئه، فذهب ليأتي بغيره ليكمل به وضوءه.(1)

وذهب المالكيّة إلى أن الموالاة فرض مع الذكر والقدرة، ساقطة مع النسيان ومع العذر(2).

حجّتنا في ذلك فعل رسول الله (ص) إذ كان يوالي في وضوئه كما كان يرتّبه، ولم يرو عنه التراخي في أفعال الوضوء مطلقاً، كما لم يرو عنه عدم ترتيبها. ولولا اشتراط الموالاة لتركها ولو مرة واحدة، أو صدع بجواز تركها، بياناً للحكم الشرعي، جرياً على سننه في التشريع عن الله تعالى، وحيث لم يفعل علمنا عدم الجواز.

على أنه لا خلاف في صحّة الوضوء جامعاً لهذه الشرائط. أما إذا لم يكن جامعاً لها فصحّته محل نزاع، وأئمّة أهل البيت (ع) لا يرونه حينئذ رافعاً للحدث، ولا مبيحاً للصلاة. فاحتط لدينك، والاحتياط هنا مما لابدّ منه لأن الأصل العملي يوجب إحراز الشيء المشكوك في شرطيّته، واستصحاب الحدث جار مع عدم إحرازه كما أسلفناه.

5 - النيّة:

أجمع الإماميّة - تبعاً الأئمّة الثقلين (ع) - على اشتراط النيّة في صحّة الوضوء والغسل، لكونهما من العبادات التي أمر الله بها (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين)وهذا مذهب الشافعي ومالك وأحمد وداود وأبي ثور وكثير من أئمّة الجمهور(3).

وقال الحنفيّة: إن وجوب الوضوء والغسل بالماء المطلق ليس إلا توصلياً إلى الطهارة التي تحصل بمجرد سيلانه على الأعضاء، سواء أكان ذلك عن نيّة أم لم يكن عن نيّة، بل ولا عن اختيار، نظير غسل الثوب المتنجّس، لأن الماء مطهّر بطبعه، وقالوا: إذا سقط شخص بالماء بدون اختيار أو دخل الماء عابثاً أو بقصد التبرّد أو النظافة، أو كان حاكياً لفعل غيره، أو مرائياً، فشمل الماء أعضاء وضوئه صحّ له أن يصلي بهذا الوضوء حتى لو كان عند دخول الماء كافراً فأسلم عند خروجه، إذ لم يشترطوا الإسلام في صحّة

ــــــــــــــــــــــــــــ


1 - راجع: الجزيري، الفقه على المذاهب الأربعة، ج 1، كتاب الطهارة، فرائض الوضوء، ص 59.|
2 - المصدر السابق، ص 62.
3 - ابن رشد، بداية المجتهد، ج 1، ص 8.

«20»

الوضوء.(1)

نعم اشترطوا النيّة في صحّة التيمّم(2)، لأن الصعيد غير مطهّر بطبعه، وإنما طهوريّته تعبّدية فلابدّ في التيمّم به من نيّة. وكذا الوضوء والغسل بنبيذ التمر أو سؤر الحمار أو البغل، لأن طهوريّة هذا النبيذ والسؤرين تعبدية كالصعيد(3).

وبالجملة فصلوا في الوضوء والغسل بين ما كان منهما بنبيذ تمر أو سؤر الحمار أو البغل، وبين ما كان بغير ذلك من المياه المطلقة، فاعتبروا الأول عبادة غير معقولة المعنى، فأوجبوا لها النيّة كالتيمّم، واعتبروا الثاني من الواجبات التوصّلية إلى النظافة المحسوسة كالطهارة من النجاسة.

وما أدري من أين علموا أن غرض الشارع من الوضوء والغسل ليس إلا الطهارة المحسوسة التي يوجدها سيلان الماء بمجرد طبعه؟! وقد علم كل مسلم ومسلمة أن الوضوء والغسل إنما هما لرفع أثر الحدث استباحة للصلاة ونحوها، مما هو مشروط برفعه، وهذا غير محسوس ولا مفهوم لولا التعبّد بالأوامر المقدّسة الصادرة من لدن حكيم مطلق، بكل حقيقة ودقيقة تخفى على الإنس والجن والملائكة وسائر المخلوقات. نعم نؤمن بأن الوضوء لرفع أثر الحدث الأصغر، وأن الغسل لرفع الحدث الأكبر تعبّداً، كما نؤمن بفرائض الصلاة والصوم والزكاة والحجّ كيفاً وكمّاً ووقتاً.

ومجرّد حصول النظافة المحسوسة بالوضوء والغسل في كثير من الأوقات لا يجعلهما توصّليّين إليها، كما أن إنعاش مستحقّي الزكاة بأدائها إليهم لا يخرجها عن العبادة فيجعلها توصّليّة إلى إنعاشهم، وكذلك الخمس والكفّارات وسائر الصدقات والعبادات المالية، ولو كان الغرض من الوضوء والغسل مجرد الطهارة المحسوسة وجبا على المحدث إذا كان في غاية النظافة والنقاء، وهذا خارق لإجماع المسلمين مخالف لما هو ثابت عن سيد النبيّين إذ قال (ص): «لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول».(4)

وقد يستدل على اشتراط النيّة هنا بالكتاب والسنّة، مضافاً إلى ما يقتضيه الأصل العملي من وجوب إحراز الشرط المشكوك في شرطيته واستصحاب بقاء الحدث في صورة التوضّؤ بغير نيّة.

أما الكتاب فمجموع آيتي المائدة والبيّنة، فإن آية المائدة وهي: (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) إلى آخرها تثبت الصغرى في شكل القياس، وهي أن الوضوء

ــــــــــــــــــــــــــــ


1 - الجزيري، الفقه على المذاهب الأربعة، ج 1، كتاب الطهارة، شروط الوضوء.
2 - المصدر السابق، ص 157، الهامش.
3 - ابن عابدين، ج 1، ص 76. ومحمد جواد مغنيّة، الفقه على المذاهب الخمسة، ص 35، عنه.
4 - الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج 1، كتاب الطهارة، باب كيفيّة الوضوء، ح 1039، وابن رشد، بداية المجتهد، ص 7.

«21»

والغسل ممّا أمرنا به، وآية البيّنة وهي: (وما اُمروا إلاّ ليعبدوا الله مخلصين له الدين)تثبت كبرى الشكل، وهي كل ما اُمرنا به يجب الإخلاص لله فيه، لكن في هذا الاستدلال نظراً بل إشكالاً.

وأما السنّة فقوله (ص) في الصحيح المشهور: «إنما الأعمال بالنيّات»، بناء على أن التقدير إنما صحّة الأعمال كائنة بالنيّات، لكن للحنفيّة أن يقولوا: تقديره إنما كمال الأعمال بالنيّات، وحينئذ لا يصلح دليلاً على ما نقول. وقد يقال في جوابهم: إن التقدير الأول أولى، لأن الصحّة أكثر لزوماً للحقيقة من الكمال، فالحمل عليها أولى، لأن ما كان ألزم للشيء كان أقرب خطوراً للذهن عند إطلاق اللفظ. ومع ذلك فإن فيه تأمّلاً.

ونحن الإماميّة في كل ما ندين الله به تبع لأئمّة العترة الطاهرة (ع)، ومذهبهم عندنا حجّة بنفسه، لأنهم أعدال كتاب الله، وعيبة سنن رسول الله (ص) وسفن نجاة الأمّة، يسلم من ركبها ويغرق من تخلّف عنها، وباب حطّة يأمن من دخلها، والعروة الوثقى لا انفصام لها، وأمان الأمّة من الاختلاف، وأمنها من العذاب، وبيضة رسول الله (ص) التي تفقّأت عنه، وأولياؤه وأوصياؤه، ووارثو علمه وحكمه، وأولى الناس به وبشرائع الله تعالى، كما هو مبرهن عليه في محلّه من مراجعاتنا الأزهريّة وغيرها.

6 - الوضوء بالنبيذ:

أجمع الإماميّة تبعاً للأئمّة (ع) من آل محمد (ص) - على اشتراط الإطلاق في ماء الوضوء والغسل، سواء أكان في الخضر أم في السفر، وأجمعوا أيضاً على أنه إن تعذّر الماء تعيّن على المكلّف تيمّم الصعيد طيّباً. وهذا مذهب الشافعي ومالك وأحمد وغيرهم.(1)

وذهب الإمام أبو حنيفة وسفيان الثوري إلى جواز الوضوء والغسل بنبيذ التمر(2) في السفر مع فقد الماء،(3) وكرّهه الحسن البصري وأبو العالية رفيع بن مهران. وقال عطاء بن أبي رباح: التيمّم أحبّ إليّ من الوضوء بالحليب واللبن،(4) وجوّز الأوزاعي الوضوء

ــــــــــــــــــــــــــــ

1 - محمد جواد مغنيّة، الفقه على المذاهب الخمسة، ص 18.
2 - النبيذ فعيل بمعنى مفعول، وهو الماء الذي ينبذ فيه نحو التمر والزبيب لتخرج حلاوته إلى الماء، وهو نوعان: مسكر وغير مسكر، ومحل النزاع هنا انما هو غير المسكر، أما المسكر فلا خلاف في عدم جواز الوضوء به، نبيذاً كان أم غير نبيذ.
3 - هذا القول متواتر عن أبي حنيفة، وقد نقله عنه ابن رشد في بداية المجتهد، ج 1، ص 33، والإمام الرازي حول آية التيمّم، ص 169 من الجزء الحادي عشر من تفسيره الكبير، وأورده السندي في باب الوضوء بالنبيذ من تعليقته على سنن ابن ماجة، نقلاً عن أبي حنيفة والثوري.
4 - نقل البخاري في الجزء الأول، كتاب الوضوء، باب لا يجوز الوضوء بالنبيذ ولا المسكر من صحيحه، ص 66، عن كلّ من الحسن البصري وأبي العالية وعطاء، ما قد نقلناه في الأصل عنهم، فراجع.

«22»

والغسل بسائر الأنبذة،(1) بل بسائر المائعات الطاهرة.(2)

حجّة الإماميّة ومن يرى في هذه المسألة رأيهم - مضافاً إلى الأصول العمليّة - كتاب الله عزّ وجلّ وسنّة نبيّه (ص) وإجماع الأمّة.

أما الكتاب فقوله تعالى: (فلم تجدوا ماءً فتيمّموا صعيداً طيّباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم)،(3) إذ أطلق الأمر بالتيمّم مع فقد الماء، ولم يجعل وسطاً بينه وبين الصعيد. وأما السنّة فحسبنا قوله (ص) «الصعيد الطيّب وضوء المسلم إن لم يجد الماء». الحديث.(4) وهو كالآية في الإطلاق وعدم الواسطة.

وأما الإجماع فلأن أهل القبلة كافّة في هذه المسألة على رأي واحد، ومن خالف فيه فإنما هو شاذّ خارق لإجماع المسلمين لا يُعبأ بشذوذه، كمن شذّ بقوله لا يجوز الوضوء بماء البحر(5) مثلاً.

احتجّ أبو حنيفة والثوري ومن رأى رأيهما بما روي عن ابن مسعود من طريقين:

أولهما: عن العباس بن الوليد بن صُبح الخلاّل الدمشقي، عن مروان بن محمد الطاطري الدمشقي، عن عبدالله بن لهيعة عن قيس بن الحجّاج، عن حنش الصنعاني، عن عبدالله بن عباس، عن ابن مسعود أن رسول الله (ص) قال له ليلة الجنّ: معك ماء؟. قال: لا. إلاّ نبيذاً في سطحيّة(6)، قال رسول الله (ص): تمرةٌ طيبةٌ وماءٌ طهور. صُبَّ عليَّ. قال: فصببت عليه، فتوضّأ به.(7)

أخرج هذا الحديث من هذا الطريق محمد بن يزيد بن ماجة القزويني في سننه، ولم يخرجه من هذا الطريق أحد من أصحاب السنن سواء فيما أعلم، لظلماته المتراكمة بعضها على بعض، فإن العباس بن الوليد لم يكن بثقة ولا مأموناً، وقد تركه جهابذة الجرح والتعديل، حتى سئل عنه أبو داود - كما في ميزان الاعتدال - فقال: كان عالماً بالرجال والأخبار لا أحدّث عنه.(8) وأنت تعلم أنهم إنما تركوه لوهنه. أما شيخه مروان

ــــــــــــــــــــــــــــ


1 - كما نصّ عليه القسطلاني في ص 556 من الجزء الأول من إرشاد الساري.
2 - كما نقل ذلك عنه الإمام الرازي في ص 169 من الجزء الحادي عشر من تفسيره إذ قال: ذهب الأوزاعي والأصمّ إلى أنه يجوز الوضوء والغسل بسائر المائعات الطاهرة.
3 - المائدة : 6، النساء : 43.
4 - الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج 1، كتاب الطهارة، اشتراط طهارة الماء في الوضوء، ح 1281، ص 484، وبداية المجتهد لابن رشد، ص 33.
5 - كان عبدالله بن عمرو بن العاص لا يجيز الوضوء بماء البحر، كما هو مشهور عنه. وقد نقل الرازي عنه ذلك حول آية الوضوء من سورة المائدة، ج 11، ص 169.
6 - السطحيّة من أواني الماء ما كان من جلدين قوبل أحدهما بالآخر فسطح عليه، تكون صغيرة وكبيرة.
7 - سنن ابن ماجة، ج 1، كتاب الطهارة، باب الوضوء بالنبيذ، ص 136.
8 - الذهبي، ميزان الاعتدال، ج 2، رقم الترجمة، 4185، ص 387.

«23»

بن محمد الطاطري فقد كان من ضلاّل المرجئة، وأورده العقيلي في كتاب الضعفاء(1)، وصرّح بضعفه ابن حزم. تعلم هذا كله من ترجمته في ميزان الاعتدال(2). على أن شيخه عبدالله بن لهيعة ممن ضعّفه أئمّتهم في الجرح والتعديل، فراجع أقوالهم في أحواله من معاجم التراجم، كميزان الاعتدال وغيره، تجده مشهوداً عليه بالضعف من ابن معين وابن سعيد وغيرهما،(3) وهناك مغامز أخر في غير هؤلاء الثلاثة من رجال هذا الطريق لسنا في حاجة إلى بيانها.

أما الطريق الثاني من طريقي الحديث فينتهي إلى أبي زيد مولى عمرو بن حريث، عن عبدالله بن مسعود أن رسول الله (ص) قال له ليلة الجنّ: عندك طهور؟ قال: لا. إلا شيء من نبيذ في إداوة. قال (ص): تمرة طيبة وماء طهور. فتوضّأ.

أخرجه ابن ماجة والترمذي وأبو داود(4)، وليس فيما رواه أبو داود "فتوضأ به". وهذا الحديث باطل من هذا الطريق أيضاً، كما هو باطل من طريقه الأول. وحسبك في بطلانه أن مداره على أبي زيد مولى عمرو بن حريث، وهو مجهول عند أهل الحديث، كما نصّ عليه الترمذي(5) وغيره. وقد ذكره الذهبي في الكنى من ميزانه، فنصّ على أنه لا يُعرف، وأنه روى عن ابن مسعود، وأنه لا يصحّ حديثه، وأن البخاري ذكره في الضعفاء، وأن متن حديثه: إن نبيّ الله توضّأ بالنبيذ. وأن الحاكم قال: إنه رجل مجهول، وأنه ليس له سوى هذا الحديث "الباطل"(6).

وبالجملة فإن علماء السلف أطبقوا على تضعيف هذا الحديث(7) بكلا طريقيه، على أنه معارض بما أخرجه الترمذي في صحيحة، وأبو داود في باب الوضوء من سننه، وصحّحه الأئمّة كافّة. عن علقمة أنه سأل ابن مسعود فقال له: من كان منكم مع رسول الله (ص) ليلة الجنّ؟ فقال: ما كان معه أحد منّا(8).

ــــــــــــــــــــــــــــ


1 - العقيلي الضعفاء الكبير، ج 4، رقم الترجمة، 1788، ص 205.
2 - الذهبي، ميزان الاعتدال، ج 4، رقم الترجمة، 8435، ص 93.
3 - المصدر السابق، ج 2، رقم الترجمة 4530، ص 475.
4 - سنن ابن ماجة، ج 1، كتاب الطهارة، باب الوضوء، بالنبيذ، ح 386، ص 135، والترمذي، في سننه، ج 1، كتاب الطهارة، باب الوضوء بالنبيذ، ح 88، ص 147، وأبو داود في سننه، ج 1، كتاب الطهارة، الوضوء بالنبيذ، ح 84، ص 21.
5 - سنن الترمذي، ج 1، كتاب الطهارة، باب الوضوء بالنبيذ، ح 88، ص 147.
6 - الذهبيّ، ميزان الاعتدال، ج4(الكنى)، ترجمة: 209، ص526.
7 - كما نصّ عليه القسطلاني في شرحه لصحيح البخاري، ج 1، كتاب الوضوء، باب لا يجوز الوضوء بالنبيذ ولا المسكر، ص 566، وشرح صحيح البخاري للشيخ زكريّا الأنصاري، ج 2، ص 43، المطبوع مع شرح القسطلاني.
8 - سنن أبي داود، ج 1، كتاب الطهارة، باب الوضوء بالنبيذ، ح 85، ص 21، والترمذي في سننه، ج 5، كتاب تفسير القرآن، سورة الأحقاف، ح 3258، ص 356.

«24»

ولو فرض صحّته وعدم معارضته لكانت آية التيمّم ناسخة له، لأن ليلة الجنّ كانت في مكّة قبل الهجرة، وآية التيمّم مدنيّة بلا خلاف(1).

ويجوز حمل الحديث - لو فرضت صحّته - على أنه كان في الإداوة مع الماء تميرات قليلة يابسة لم تخرج الماء عن الإطلاق وما غيّرت له وصفاً.

واحتجّ الأوزاعي والأصمّ ومن رأى رأيهما في الوضوء والغسل بسائر المائعات الطاهرة، وأن الله تعالى إنما أمر بالغسل والمسح، وهما كما يتحقّقان بالماء المطلق يتحقّقان بغيره من المائعات الطاهرة.

والجواب: إن الله عزّ وجلّ أوجب التيمّم عند عدم الماء، فتجويز الوضوء بغيره يبطل ذلك. وهذا ما يجعل الغسل المأمور به في الآية مقيّداً بالماء كما هو واضح، والحمد لله على الفهم.

ولعل الحنفيّة إنما جوزوا الوضوء باللبن الممزوج بالماء فيما حكي عنهم،(2) استناداً إلى ما استند إليه الأوزاعي والأصمّ حاتم بن عنوان البلخي.

هذا ما يسّر الله تعالى لعبده وابن عبديه، عبدالحسين ابن الشريف يوسف بن الجواد بن إسماعيل بن محمد بن محمد بن شرف الدين ابراهيم بن زين العابدين بن عليّ نور الدين بن نور الدين عليّ بن الحسين آل أبي الحسن الموسوي العاملي.

والحمد لله رب العالمين.

ــــــــــــــــــــــــــــ

1 - كان الوضوء قبلها سنّة مستحبّة، ولم يكن التيمّم مشروعاً حتى نزلت آيته بعد الهجرة. فراجع القسطلاني في شرحه لصحيح البخاري، ج 1، كتاب الوضوء، باب لا يجوز الوضوء بالنبيذ، ص 556.
2 - ممّن حكى ذلك عنهم الإمام القسطلاني في الجزء الأول، كتاب الوضوء، باب لا يجوز الوضوء بالنبيذ ولا المسكر، ص 556 من إرشاد الساري. وإليك نصّه بلفظة قال: وأما اللبن الخالص فلا يجوز التوضّؤ به إجماعاً، فإن خالط ماء فيجوز عند الحنفية انتهى.

   
الصفحة الرئيسة  |  فارسی |  english |  آرشيف  |  الاتصال بنا
الحقوق محفوظة للموقع و نقل مطالبه مجاز بشرط ذکر المصدر . Copyright © 2007
 البرید الإلکترونی  info@shia12.org   --  abmm62@yahoo.com