حقیقة الشیعة
الجعفریة(1):
الأستاذ العلامة: الشيخ جعفر الهادي
1.
هذه الطائفة الجعفریة الإمامیة طائفة کبیرة من المسلمین في العصر
الحاضر ، و یقدّر عددهم بربع عدد المسلمین تقریباً ،و تمتدّ جذورهم
التاریخیة إلی صدر الإسلام یوم نزل قول الله تعالی في سورة البیّنة
: إنّ الذین آمنوا و عملوا الصّالحات أولئک هم خیر البریة 1
فوضع رسول الله (ص) یده علی کتف عليّ بن ابي طالب(ع) ، و الصحابة
حاضرون، و قال : یا عليّ أنت و شیعتک هم خیر البریّة (راجع
للمثال: تفسیر الطبري (حامع البیان ) و الدرّ المنثور للعلامة
السیوطي الشافعي، و تفسیر روح المعاني للآلوسي البغدادي الشافعي
عند تفسیر الآیة الحاضرة).
و من هنا سمیت هذه الطائفة ـ التي تنسب إلی الامام جعفر الصادق(ع)
لکونها تتبع فقهَه ـ بالشیعة.
2.
تسکن هذه الطائفة بکثافة في إیران و العراق و
باکستان و أفغانستان و الهند، و ینتشرون بأعداد کبیرة في بلاد
الخلیج و ترکیا و سوریا و لبنان و روسیا و الجمهوریات المنفصلة
عنها ،و ینتشرون أیضا في البلاد الأوروبیة کإنجلترا و ألمانیا و
فرنسا و أمریکا و القارة الإفریقیّة ، و بلاد شرق آسیا ، ولهم فیها
مساجد و مراکز علمیّة و ثقافیة و اجتماعیة.
3.
و هم یتکوّنون من مختلف الجنسیات و الأعراق و
اللغات و الألوان ،و یعیشون جنباً إلی جنب مع إخوانهم المسلمین من
الطوائف و المذاهب الأخری في سلام و ودادٍ، و یتعاونون معهم في
جمیع المجالات و الأصعدة بصدقٍ و إخلاصٍ ، إنطلاقاً من قوله تعالی:
إنّما المؤمنون إخوة 2 و قوله تعالی: و تعاونوا علی البرّ و
التّقوی 3 و تمسکاً بقول النبي الکریم (ع) : المسلمون یدٌ
واحدةٌ علی من سواهم 4 و قوله (ص) : المؤمنون کالجسد الواحد5.
4.
و کانت لهم علی طول التاریخ الإسلامي مواقف مشرّفة
و مشرقة في الدفاع عن الاسلام ، و الأمة الإسلامیة الکریمة ، کما
أنه کانت لهم حکوماتٌ و دول خدمت الحضارة الإسلامیة ، و علماء و
مفکّرون أسهموا في إغناء التراث الاسلامي بتألیف مئات الآلاف من
المؤلفات و الکتب الصغیرة و الکبیرة في مجال تفسیر القرآن ، و
الحدیث ، و العقیدة ، و الفقه و الاصول ، و الأخلاق ، و الدرایة و
الرجال ، و الفلسفة ، و الموعظة ، و الحکومة و الإجتماع ، و اللغة
و الأدب بل و الطّب و الفیزیاء و الکیمیاء و الریاضیات و الفلک و
غیرها من علوم الحیاة ، و کان لهم دور الباني و المؤسّس للکثیر من
العلوم (راجع : کتاب تأسیس الشیعة لعلوم الاسلام، للصدر ، و
الذریعة إلی تصانیف الشیعة لآغا بزرک (الذي یقع في 29 مجلداً ) و
کشف الظنون للأفندي و معجم المؤلفین ، لکحالة ، و أعیان الشیعة
للسید محسن الأمیني العاملي و غیرها).
5.
و هم یعتقدون بالله الواحد الأحد الفرد الصّمد الذي لم یلد و لم
یولد ، ولم یکن له کفوءاً أحد، و ینفون عنه الجسمانیة و الجهة و
المکان و الزمان ، و التغیّر و الحرکة و الصعود و النزول و غیر ذلک
مما لا یلیق بجلال الله و قدسه و کماله و جماله.
و یعتقدون بأنّه هو المعبود لا سواء ، و أنّ الحکم و التشریع له
وحده دون غیره ،و أنّ الشّرک بجمیع أنواعه و ألوانه ، خفیّه و
جلیّه ، ظلمٌ عظیمٌ و ذنبٌ لا یغتفر.
و یأخذون کلّ هذا من العقل الحصیف المعتضّد بالکتاب العزیز ، و
السنّة الشریفة الصحیحة مهما کان مصدرها.
و لا یأخذون في مجال العقائد بالأحادیث الإسرائیلیة (التوراتیة و
الإنجلیزیة ) و المجوسیة التي تصور الله تعالی بصورة البشر ،و
تشبهه سبحانه بالمخلوقین.
أو تنسب إلیه الجور و الظلم و اللغو و العبث تعالی عن ذلک علوّاً
کبیراً. أو تنسب العظائم و القبائح إلی الأنبیاء المطهّرین ،
المعصومین علی الإطلاق.
6.
و یعتقدون بأنّ الله تعالی عادلٌ حکیم ، خلق بعدلِ
و حکمة، ولم یخلق شیئاً عبثاً ، جماداً کان أو نباتاً ، حیواناً
کان أو إنساناً ، سماءً کان أو أرضاً ، لأنّ العبثیّة تنافي العدل
و الحکمة ، و ذلک ینافي الألوهیّة التي تستلزم إثبات کلّ کمالٍ لله
تعالی ، و نفي کلِّ نقص عنه سبحانه.
7.
و یعتقدون بأنّ الله تعالی أرسل ـ بعدله و حکمته ـ
إلی البشر ، منذ أن بدأوا حیاتهم علی الأرض ، أنبیاء و رسلاً ،
اتّصفوا بالعصمة ، و تحلّوا بالعلم الواسع، الموهوب لهم ـ عن طریق
الوحي ـ من قِبَل الله ، و ذلک لهدایة البشریة ، و مساعدتها علی
الوصول إلی کمالها المنشود، و إرشادها إلی الطاعة التي تؤدّي بهم
إلی الجنة ، و تؤهّلهم لرحمة الله و رضوانه ، و أبرز هؤلاء
الأنبیاء و الرسل: آدم ، و نوح، و إبراهیم ، و عیسی،و موسی و غیرهم
ممن ذکرهم القرآن الکریم أو جاءت أسماؤهم و أحوالهم في السنّة
الشریفة.
8.
و یعتقدون بأنّ من أطاع الله ، و نفّذ أوامره و أجری قوانینه في
شتّی مجالات الحیاة نجی و فاز ، و استحقّ المدح و الثواب ، و لو
کان عبداً حبشیّاً ، و أنّ من عصی الله تعالی و تجاهل أوامره ، و
طبّق أحکاماً غیر أحکام الله تعالی ، خسر و هلک و استحقّ الذّمّ و
العقاب ، و لو کان سیداً قرشیّاً ، کما جاء في الحدیث النّبوي
الشریف.
و هم یعتقدون بأنّ محلّ الثواب و العقاب هو یوم القیامة الذي یکون
فیه الحساب و المیزان و الجنّة و النّار ، و ذلک بعد المرور بعالم
القبر و البرزخ. و أمّا التناسخ الذي یقول به منکر و المعاد
فیرضونه لاستلزامه تکذیب القرآن الکریم و السنّة المطهّرة.
9.
و یعتقدون بأنّ آخر الأنبیاء و الرّسل و خاتمهم و أفضلهم هو رسول
الله محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب (ص) 6 الذي صانه الله من الخطأ
و الزلل ، و عصمه من المعصیة الکبیرة و الصغیرة ، قبل النبوّة و
بعدها، في أمور التبلیغ و غیرها ، و أنزل علیه القرآن الکریم ،
لیکون دستوراً للحیاة البشریة إلی الأبد، فبلّغ صلی الله علیه و
آله، الرسالة ، و أدّی الأمانة بصدق و إخلاص ، و بذل في هذا السبیل
الغالي و الرخیص.
و للشیعة في مجال الکتابة عن تاریخ رسول الله صلی الله علیه و اله
و شخصیات و أحواله و خصوصیاته و معجزاته عشرات المؤلفات و الأبحاث.
(راجع : کتاب الإرشاد للشیخ المفید ، و إعلام الوری بأعلام الهدی
للطبرسي، و موسوعة بحار الانوار للمجلسي ،و موسوعة الرسول المصطفی
للسید محسن الخاتمي مؤخراً).
10.
و یعتقدون بأنّ القرآن الکریم ، الذي انزل علی رسول
الإسلام محمّد صلّی الله علیه و آله بواسطة جبرئیل الأمین ،و دوّنه
مجموعةٌ من الصحابة الکبار و في مقدمتهم علي بن أبي طالب (ع) في
عهد النبيّ الکریم محمّد صلی الله علیه و آله ،و تحت إشرافه و
رعایته ، و بأمره ، و إرشاده ،و حفظوه عن ظهر قلب ، و أتقنوه ، و
أحصوا حروفه و کلماته ،و سوره و آیاته ، و تناقلوه جیلاً بعد جیل ،
هو الذي یتلوه المسلمون الیوم بجمیع طوائفهم ، آناء اللیل و أطراف
النهار، من دون زیادة أو نقصان ، أو تحریف ، أو تغییر ، و للشیعة
في هذا المجال مؤلفات مختصرة و مطولة کثیرة(راجع کتاب تاریخ القرآن
للزنجاني ، و التمهید في علوم القرآن لمحمد هادي معرفة ، و
غیرهما)..
11.
و یعتقدون بأنّ رسول الله محمّداًّ (ص) لما قرب أجله نصب عليّ بن
ابي طالب خلیفة له و إماماً علی المسلیمن من بعده ، لیقودهم
سیاسیاً ،و یرشدهم فکریاً، و یعالج مشکلهم، و یواصل تربیتهم و
تزکیتهم ، و ذلک بأمر من الله تعالی في مکان یدعی(غدیر خم) ، في
آخر سنة من سنيّ حیاته ، و آخر حجّة من حججه ، و في جمعٍ هائل من
المسلمین الذین حجّوا معه ، یزید عددهم ـ حسب بعض الروایات ـ علی
مائة ألف شخصٍ . و قد نزلت في هذه المناسبة آیات عدیدة7.
کما و أنّ النبيّ (ص) طلقب من الناس مبایعة عليّ (ع) باصفق علی یده
، فبایعوه و في مقدمتهم کبار المهاجرین و الأنصار و مشاهیر الصحابة
(راجع الغدیر للعلامة الأمیني نقلاً عن مصادر إسلامیة تفسیری ة و
تاریخیة عدیددة.
12.
و یعتقدون بأن ّ الإمام ـ بعد رسول الله محمّد (ص)
ـ لما کان یجب علیه أن یقوم بما کان یقوم به النبي (ص) في حیاته من
القیادة و الهدایة ، و التربیة و التعلیم ، و بیان الإحکام ، حلّ
المشاکل الفکریة المستعصیة ، و معالجة الشؤون الاجتماعیة المهمّة ،
کان لابدّ له (أي للأمام و الخلیفة من بعده ) من أن یکون بحیث یثق
به الناس ، و ذلک لیقود الأمّة إلی شاطیء الأمان ، فهو یشارک
النبيّ في المؤهلات و الصفات ، (و منها العصمة و العلم الواسع )
لأنه یشارکه في الصلاحیات و المسؤولیات باستثناء تلقّي الوحي، و
النبوّة ، لأنّ النبوّة ختمت بمحمّد بن عبدالله (ص) فهو خاتم
النبیین ، و المرسلین ، و دینه خاتم الأدیان ، و شریعته خاتم
النبیین ، و المرسلین ، و دینه خاتم الأدیان ، و شریعته خاتمة
الشرائع ، و کتابه آخر الکتب ، و لا نبيّ بعده ، و لا دین بعد دینه
،ولا شریعة بعد شریعته . (و للشیعة في هذا الصعید مؤلفات عدیدة و
متنوعة حجماً و أسلوباً).
13.
و یعتقدون بأنّ حاجة الأمّة إلی القائد الرشید، و
الوليّ المعصوم اقتضت أن لا یکتفی بنصب عليّ (ع) وحده للخلافة و
الإمامة بعد رسول الله (ص) ، بل لابدّ من استمرار حلقات القیادة
هذه إلی مدةٍ زمنیةٍ طویلة ، إلی أن تترسخ جذور الإسلام و تحفظ اسس
الشریعة، و تصان قواعدها من الأخطار التي هدّدت و تهدّد کلّ عقیدة
إلهیة ّ، و کل نظام ربّانيّ ، و لتعطيَ مجموعة الأئمة ـ بما یقومون
به من أدوار و ممارسات مختلفة في ظروف متنوعة ـ نماذج عملیّة و
برامج مناسبة لجمیع الحالات التي قد تمرّ بها الأمّة الإسلامیة
فیما بعد.
14.
و یعتقدون بأنّ النبيّ محمّد بن عبدالله صلی الله علیه و آله لهذا
السبب و لحکمةٍ علیا ، عیّن بأمر الله تعالی أحد عشر إماما بعد
عليّ (ع) و هم ـ مع عليّ (ع) ـ الأئمة الإثنا عشر ، الذین وردت
الإشارة إلی عددهم ، و قبیلتهم (قریش ) ـ و لیس إلی أسمائهم و
خصوصیاتهم ـ في صحیح البخاري و صحیح مسلم بألفاظ مختلفة ؛ حیث رویا
عن رسول الله صلی الله علیه و آله : أنّ الذین لا یزال ماضیاً /
قائماً / عزیزاً / منیعاً ما کان فیهم اثنا عشر أمیراً ، أو خلیفة
، کلهم من قریش ، (أو بني هاشم ، کما في بعض الکتب ، و قد جاءت
أسماؤهم في غیر الصحاح من کتب الفضائل و المناقب و الشعر و الادب).
و هذه الأحادیث و إن لم تنص علی ائمة الاثني عشر ،و هم عليّ و
الأحد عشر من ذریّته، إلّا أنّها لا تنطبق إلّا علی ما یعتقده
الشیعة الجعفریة ، و لا تفسیر صحیح لها إلّآ بقولهم .(راجع : خلفاء
النّبي ، للحائري البحراني).
15.
و یعتقد الشیعة الجعفریة بأنّ الأئمة الاثنی عشر هم : الإمام علي
بن أبي طالب (ابن عمّ رسول الله (ص) و صهره علی ابنته الزهراء
علیها السلام).
و الإمام الحسن و الإمام الحسین (ابنا علي و فاطمة ، و سبطا رسول
الله صلي الله علیه و آله).
و الأمام زین العابدین عليّ بن الحسین(السجاد).
و الإمام محمّد بن علي (الباقر).
و الإمام جعفر بن محمّد (الصادق).
و الإمام موسی بن جعفر (الکاظم).
و الإمام علي بن موسی(الرّضا).
و الإمام محمّد بن علي (الجواد التقي).
و الإمام علي بن محمدّ (الهادي النقيّ)
و الإمام الحسن بن عليّ (العسکري).
و الإمام محمّد بن الحسن (المهدي الموعود المنتظر(ع)8 .
و أنّ هؤلاء هم أهل البیت الذین نَصَبهم رسول الله محمّد (ص) ـ و
بأمر الله تعالی ـ قادةً للأمة الإسلامیة ، لعصمتهم ، و طهارتهم من
الخطأ و الذنب ، و لعلمِهمُ الواسع الذي ورثوه عن جدّهم ـ و أمر
بمودّتهم و متابعتهم ؛ إذ قال تعالی : قل لا أسئلکم علیه أجراً
إلّا المودة في القربی 9 و قال تعالی: یا أیها الذین آمنوا
اتّقوا الله و کونوا مع الصادقین10 (راجع کتب الحدیث و التفسیر و
الفضائل المتّصلة بالصّحاح و المستقلّة عند الفریقین).
16.
و یعتقد الشیعة الجعفریة بأنّ هؤلاء الأئمة الأطهار الذین لم یسجّل
التاریخ علیهم زلّة أو معصیة ، في القول و العمل ، قد خدموا ـ
بعلومهم الجمّة ـ الأمّة الإسلامیة ، و أغنّوا ثقافتها بالمعرفة
العمیقة، و الرؤیة الصحیحة في مجال العقیدة ، و الشریعة و الأخلاق
و الآداب ،و التفسیر و التاریخ ،و بصائر المستقبل . کما ربّوا ـ
بالأسلوب القوليّ و العمليّ ـ ثلّة من الرّجال و النساء الأفذاذ
الأخیار الأبرار الذین اعترف الجمیع بفضلهم و علمهم و حسن سیرتهم .
و یرون بأنّهم و إن ابعدوا ـ و للأسف ـ عن مقام القیادة السیاسیة ـ
إلّا أنّهم أدّوا رسالتهم الفکریة و الاجتماعیة خیر أداء ، إذ
صانوا مبادیء العقیدة ،و قواعد الشریعة من الأخطار.
و لو کانت الأمّة الاسلامیة تفسح لهم المجال بأن یمارسوا الدور
السیاسيّ الذي أعطاهم رسول الله (ص) بأمر الله سبحانه ، لحصلت
الأمّة الاسلامیة علی سعادتها و عزّتها ،و عظمتها کاملةً ، و لبقیت
متحدةً، متفقةً، متوحدةً، لاشقاق فیها ،و لا اختلاف و لا نزاع ،و
لا صراع ، و لا مذابح و لا مجازر ،و لا ذلّة و لا صغار. (راجع في
هذا المجال کتاب: الإمام الصادق و المذاهب الأربعة لأسد حیدرـ و
الذي یقع في 3 مجلدات ـ و غیره).
17.
و یعتقدون بأنّه ـ و لهذا السبب،و نظراً للأدلة النقلیة و العقلیّة
الکثیرة المذکورة في کتب العقیدة ـ یجب اتّباع أهل البیت ،و التزام
طریقتهم ؛ لأنها هي الطریقة التي رسمها رسول الله صلّی الله علیه و
آله للأمّة ،و أوصی بسلوکها و الالتزام بها ،في حدیث الثقلین
المتواتر حیث قال : إنّي تارکٌ فیکم الثقلین کتاب الله و عترتي
أهل بیتي ما إن تمسّکتم بهما لن تضلّوا أبداً کما رواه مسلم في
صحیحه و غیره من عشرات المحدّثین و العلماء في جمیع القرون
الإسلامیة (راجع رسالة حدیث الثقلین للوشنوي التي صدّق علیها
الأزهر الشریف قبل حوالي ثلاثة عقود).
و قد کان مثل هذا الاستخلاف و الوصیة أمراً رائجاً في حیاة
الأنبیاء السابقین . (راجع : إثبات الوصیة للمسعودي ، وکتب الحدیث
و التفسیر و التاریخ للفریقین).
18.
و یعتقد الشیعة الجعفریة بأن علی الأمّة الإسلامیة
ـ أعزّها الله ـ أن تناقش و تدرس هذه الأمور ، بعیداً عن السبّ و
الشتم ،و الإیهام و الاتهام ،و التهویل و التهریج ،و أنّ علی
العلماء و المفکرین من جمیع الطوائف و الفرق الإسلامیة أن یجتمعوا
في مؤتمرات علمیة ،و یدرسوا بصفاء و إخلاص،و بأخوةٍ و موضوعیةٍ ما
یقوله إخوانهم من الشیعة الجعفریة ،و ما یقیمونه من أدلة علی
نظریّتهم ، في ضوء کتاب الله و الصحیح المتواتر من سنّة رسول الله
(ص) ،و العقل الحصیف و المحاسبة التاریخیة ،و التقییم السیاسي و
الاجتماعي العام في عهد رسول الله (ص) و بعده.
19.
و یعتقد الشیعة الجعفریة بأنّ الصحابة ، و من کان حول رسول الله
صلّی الله علیه و آله من الرجال و النساء ، خدموا الإسلام ،و بذلوا
النفس و النفیس في سبیل نشره و إقراره ،و أنّ علی المسلمین أن
یحترموهم ،و یثمّنوا خدماتهم ،و یترضّوا علیهم.
إلّا أنّ هذا لا یعني أنّ جمیعهم عدولٌ بصورة مطلقة،و أنّهم فوق أن
تعرض بعض مواقفهم و أعمالهم علی محک النقد ، ذلک لأنّهم بشرٌ یخطیء
و یصیب ، و قد ذکر التاریخ أنّ بعضهم شذّ عن الطریق حتی في عهد
رسول الله (ص)، بل و صرّح القرآن الکریم بذلک في بعض سوره و آیاته
مثل سورة المنافقین و الإحزاب و الحجرات و التحریم و الفتح و محمّد
و التوبة).
فلا یعني النقد النزیه لمواقف بعضهم کفراً، لأنّ ملاک الإیمان و
الکفر واضح ، و محورهما بیّن و هو إثبات أو نفي التوحید و
الرسالة،و الضروري و البدیهي من أمر الدین ، کوجوب الصلاة و الصوم
و الحج و حرمة الخمر و المیسر و ما شابه ذلک.
نعم ، یجب صیانة اللسان عن السبّ و الشتم و حفظ القلم عن الإسفاف ،
فلیس ذلک من شأن المسلم المهذّب ، المتأسي بسیرة خاتم النبیین
محمّد صلّی الله علیه و آله ، و مع ذلک فان أکثر الصحابة صالحون
مصلحون جدیرون بالاحترام ، قمینون بالإکرام.
علی أن إخضاعهم لقواعد الجرح و التعدیل إنّما هو للوقوف علی السنّة
النبویّة الصحیحة الموثوق بها مع العلم بتکاثر الکذب و الافتراء
علی رسول الله صلّی الله علیه و آله بعده ـ کما یعلم الجمیع ، و قد
أخبر النبيّ (ص) نفسه بوقوعه ـ و هو ما حدی بعلماء من الفریقین
کالسیوطي و ابن جوزي و غیرهما إلی تألیف کتب قیمة للفرز بین
الأحادیث الصادرة حقّآ عن النبيّ الکریم صلی الله علیه و آله و بین
الموضوعات و المفتراة علیه .
20.
و الشیعة الجعفریة یعتقدون بوجود الإمام المهديّ المنتظر ، لروایات
کثیرة وردت عن رسول الله صلّی الله علیه و آله بأنّه من وُلد فاطمة
، و أنه تاسع ولد الحسین علیه السلام ،و حیث إنّ الولد الثامن
للحسین علیه السلام هو الإمام الحسن العسکري و قد توفّي عام 260
هجریة،و لم یکن له إلّا ولد واحد، اسمه (محمّد ) فهو الإمام المهدي
المکنّی بأبي القاسم 11، و قد رآه جمع من ثقات المسلمین و أخبروا
بولادته و خصوصیاته ، و إمامته و النص علیه من جانب والده ، وقد
غاب عن الأنظار بعد خمس سنوات من ولادته ،لأنّ الأعداء أرادوا قتله
و القضاء علیه ، و لأنّ الله تعالی ادّخره لإقامة الحکومة
الإسلامیة العادلة الشاملة في آخر الزمان ،و تطهیر الأرض من الظلم
و الفساد بعد أن تملأ منهما.
و لا غرابة ،کما لا داعي للعجب ، لطول عمره ؛ فقد ذکر القرآن أنّ
المسیح علیه السلام حيًٌّ إلی الآن رغم مرور 2004 سنة علی میلاده
المبارک ،و أنّ نوحاً (ع) عاش بین قومه ألف سنة إلّآ خمسین عاماً
یدعوهم إلی الله ، و أنّ الخضر (ع) لا یزال موجوداً.
فالله قادرٌ علی کلّ شيء، و مشیئته ماضیة لا رادّ لها و لا دافع،
ألم یقل في شأن النبيّ یونس علیه و علی نبیّنا السلام: فلو لا
أنّه کان من المسبّحین* للبث في بطنه إلی یوم یبعثون12؟!
ولقد أقرّ جمعٌ کبیر من علماء أهل السنّة الأجلّاء بولادة الإمام
المهدي (ع) و وجوده ،و ذکروا اسم والدیه و أوصافه مثل :
أ ـ عبدالمؤمن الشبلنجي الشافعي في کتابه : نور الأبصار في مناقب
آل بیت النبيّ المختار.
ب ـ ابن حجر الهیتمي المکي الشافعي في کتابه : الصواعق المحرقة حیث
قال عنه : أبوالقاسم محمّد الحجة و عمره عند وفاة أبیه خمس سنین ،
لکن آتاه الله فیها الحکمة و یسمّی القائم المنتظر.
ج ـ القندوزي الحنفي البلخي في کتابه : ینابیع المودة المطبوع في
الأستانة بترکیا أیام الخلافة العثمانیة .
هـ ـ السید محمّد صدیق حسن القنوجي البخاري في کتابه : الإذاعة لما
کان و ما یکون بین یدي الساعة ، هذا من المتقدّمین.
و من المتأخرین الدکتور مصطفی الرافعي في کتابه : إسلامنا ، حیث
تعرض لمسألة الولادة بإسهاب ، و ردّ علی جمیع الإشکالات و
الاعتراضات الواردة في هذا المجال.
_______________________________
1 البیّنة ، الآیة 7.
2 الحجرات ، الآیة 1
3 المائدة، الآیة2.
4 مسند أحمد 1: 215
5 البخاري ، کتاب الادب : 27.
6 یتقید الشیعة الامامیة بذکر آل النبي إلی جانب اسمه عند الصلاة
و التسلیم علیه ، لأمره صلی الله علیه و آله بذلک کما جاء في بعض
الصحاح الستة و غیرها.
7 هذه الآیات هي : قوله تعالی في آیة التبلیغ یا أیها الرّسول
بلّغ ما أنزل إلیک من ربّک و إن لم تفعل فما بلّغت رسالته و الله
یعصمک من الناس إنّ الله لا یهدي القوم الکافرین(المائدة ، الایة
67)
و قوله تعالی في آیة الإکمال : الیوم أکملت لکم دینکم و أتممت
علیکم نعمتي و رضیت لکم الإسلام دینا(المائدة ، الایة 3)
و قوله تعالی : الیوم یئس الذین کفروا من دینکم فلا تخشوهم و
اخشون (المائدة ، الایة 3)
و قوله تعالی : سئل سائل بعذاب واقع * للکافرین لیس له دافع
(المعارج الآیة 2).
8 و قد أنشأ أدباء أفذاذ من غیر الشیعة ـ من العرب و العجم ـ
قصائد مفصّلة حَوَت أسماء الأئمة الاثنی عشر کاملة کالحصکفي و ابن
طولون و الفضل بن روزبهان الجامي و العطار النیشابوري و المولوي ،
و هم من الأحناف و الشوافع و غیرهم ، نذکر من باب النموذج قصیدتین
منها:
الأولی : للحصکفي الحنفي ، و هو من علماء القرن السادس الهجري ،
یقول فیها :
حیدرةٌ و الحسنان بعده ثمَّ عليُّ و ابنه محمدُ
و جعفرُ الصادق ابنُ جعفرٍ موسی ، و یتلوهَُ عليُّ
السیدُ
أعني الرضا ثم ابنُه محمدُ ثمّ عليٌّ و ابنه
المسدّدُ
الحسن التالي و یتلو تلوه محمدُ بن الحسن المعتقدُ
قومٌ همُ أئمتي و سادتي و إن لحاني معشرٌ و
فَنّدوا
أئمةٌ أکرِم بهم أئمةً أسماؤهم مسرودةٌ لا
تُطردُ
هم حججُ الله علی عباده و هم إلیه منهجٌ و مقصدُ
همُ النهارَ صُوّم لربّهم و في الدَیاجي رُ کّعٌ
و سجّدُ
الثانیة : و هي لشمس الدین محمّد بن طولون من علماء القرن العاشر
الهجري ، وهو یقول فیها:
علیک بالأئمة الاثني عشر من آل بیت المصطفی خیرِ البشر
أبو ترابٍ حسن حسین و بغض زین العابدین شَینُ
محمّد الباقر کم علمٍ دری و الصادق ادعُ جعفراً بین
الوری
موسی هو الکاظمُ و ابنه عليُ لقّبه بالرضا و قدره عليّ
محمّد التقيّ قلبه معمور عليٌّ النّقيُّ دُرُّهُ
منثورُ
و العسکريّ الحسن المطهّرُ محمّد المهديّ سوف یظهرُ
راجع کتاب: الأئمة الاثنا عشر ، تألیف مؤرخ دمشق شمس الدین محمّد
بن طولون المتوفی سنة 953 هجریة، تحقیق : الدکتور صلاح الدین
المنجّد . طبعة بیروت .
9 الشوری ، الآیة 23.
10 التوبة ، الآیة 119.
11 و في الصحاح و غیرها من مؤلفات الفریقین أنّ النبيّ صلّی الله
علیه و آله قال : سیظهر في آخر الزمان رجل من ذریّتي اسمه اسمي و
کنیته کنیتي یملأ الأرض عدلاً و قسطاً کما ملئت ظلماً و جوراً.
12 الصافات ، الآیة 143ـ144.
حقیقة
الشیعة الجعفریة(2):
21.
و الشیعة الجعفریة یصَلّون و یصومون و یزکّون و
یخمّسون أموالهم ، و یحجّون إلی بیت الله الحرام بمکّة المکرّمة ،و
یؤدون مناسک العمرة و الحج في العمر مرّةً وجوباً ،و أکثر من ذلک ،
استحباباً ،و یأمرون بالمعروف و ینهون عن المنکر ،و یتولّون أولیاء
الله ،و أولیاء نبیّه ،و یعادون أعداء الله و أعداء نبیّه ،و
یجاهدون في سبیل الله کلّ کافر أو مشرک یعلن الحرب علی الإسلام ،و
کل ّ متآمر علی الأمة الإسلامیة ،و یجرون نشاطاتهم الاقتصادیّة و
الاجتماعیّة و العائلیة کالتجارة و الإجارة و النّکاح و الطلاق و
الإرث و التربیة و الرضاع و الحجاب و غیرها وفقا لأحکام الاسلام
الحنیف ، آخذین هذه الأحکام ـ عن طریق الاجتهاد الذي یقوم به
فقهاؤهم الأتقیاء الورعون ـ من الکتاب و السنّة الصحیحة ،و أحادیث
أهل البیت الثابتة ،و العقل و إجماع العلماء .
22.
و یرون أنّ لکل فریضة من الفرائض الیومیّة وقتاً
معیّناً ،و أنّ أوقات الصلوات الیومیة هي خمسة : (الفجر و الظهر و
العصر و المغرب و العشاء ) و أنّ الأفضل هو الإتیان بکلّ صلاة في
وقتها الخاص، إلّا أنّهم یجمعون بین صلاتي الظهر و العصر،و بین
صلاتي المغرب و العشاء ؛ لأنّ رسول الله صلّی الله علیه و آله جمع
بینهما من دون عذر و لا مرضٍ و لا مطرٍ و لا سَفر ـ کما في صحیح
مسلم و غیره ـ تخفیفاً علی الأمّة ،و تسهیلاً علیها ،و هو أمر
طبیعي في عصرنا الحاضر.
23.
و یؤذّنون کما یؤذّن سائر المسلمین إلّا أنّهم یأتون ـ بعد: (حيّ
علی الفلاح) ـ بجملة (حيّ علی خیر العمل ) لأنّها کانت في زمن رسول
الله صلّی الله علیه و آله ،و إنّما حذفها ـ اجتهاداً ـ عمر بن
الخطاب بحجة أنها تصرف المسلمین عن الجهاد، إذ عرفوا أنّ الصلاة هي
خیر العمل (کما صرح بذلک العلامة القوشجي الأشعري في کتابه شرح
تجرید الاعتقاد ، و جاء المصنّف للکندي و کنز العمّال للمتقي
الهندي و غیرهم ) . بینما أضاف عمرُ بن الخطاب عبارة (الصّلاة خیرٌ
من النوم) ،و الحال أنها لم تکن في زمن النّبي صلّی الله علیه و
آله . (راجع کتب الحدیث و التاریخ).
و حیث إنّ العبادة و مقدّماتها في الإسلام موقوفةٌ علی الشرع
المقدس و إذنه ، بمعنی أنه یجب أن یستند کل شیء فیها إلی نصٍ خاصٍ
أو عامٍ من الکتاب و السنّة ،و إلّا کان بدعة مرفوضة و مردودة علی
صاحبها .... لذلک لا یمکن الزیادة و النقصان في العبادات ، بل في
کل أمور الشرع بالرأي الشخصي.
و أمّا ما یضیفه الشیعة الجعفریّة بعد (أشهد أنّ محمداً رسول الله)
إذ یقولون : (أشهد أنّ علیاً ولي الله) ، فهو لروایات وردت عن رسول
الله و أهل البیت صلوات الله علیهم ، تصرّح بأنّه ما ذکرت جملة
(محمّد رسول الله ) أو کتبت علی باب الجنة إلّا و أردفت بجملة :
(علي وليّ الله ) ،و هي جملة تنبيء عن أن الشیعة لا یقولون بنبوّة
علي (ع) ، فضلاً عن القول بالوهیته و ربوبیّته و العیاذ بالله.
فلذلک جاز ذکرها إلی جانب الشهادتین رجاء أن تکون مطلوبة من قبل
الله تعالی ، و لا یؤتی بها بقصد الجزئیة أو الوجوب و هذا هو ما
علیه الأغلبیة الساحقة من فقهاء الشیعة الجعفریة.
و لهذتا فإنّ هذه الزیادة التي یؤتی بها لا بقصد الجزئیة کما قلنا
، لا تعدّ من قبیل ما لا أصل له في الشرع فلا تکون بدعةً.
24.
و یسجدون علی التراب (والصعید) أو علی الحصی ، أو علی الصخر و غیر
ذلک من أجزاء الأرض و نباتها (کالحصیر ) دون الفراش و القماش و
المأکول و الحليّ ، لروایات کثیرةٍ وردت في کتب الشیعة و السنّة
بأنّ رسول الله صلّی الله علیه و آله کان من دأبه السجود علی
التراب أو الأرض ، بل و یأمر المسلمین بذلک ، و من ذلک أنّ بلالاً
سجد ذات یوم علی کور عمامته اتقاء الحرّ اللافح، فإزال النبيّ (ص)
بیده عمامة بلال من جبینه و قال : ترّب جبینک یا بلال.
و ذکر مثل هذا لصهیب و لرباح ، اذ قال : ترّب وجهک یا صهیب و ترّب
وجهک یا رباح (راجع البخاري، و کنز العمال ، و المصنف لعبد الرزاق
الصنعاني، و السجود علی الأرض لکاشف الغطاء ).
و لأنّ السجود علی التراب و وضع الجبین عند السجدة علی الأرض هو
الأنسب للسجود أمام الله ، لأنه أدعی للخشوع و أقرب إلی الخضوع
أمام المعبود، کما أنه یذکّر الإنسان بأصله و معدنه ، ألیس قال
الله تعالی : منها خلقناکم و فیها نعیدکم و منها نخرجکم تارةً
أخری13؟!
و إنّ السجود غایة الخضوع ، و غایة الخضوع لا تتحقّق بالسجود علی
السّجاد و الفراش ، و القماش و الجواهر الثمینة ، إنما تتحقق بوضع
أشرف موضع في البدن و هو الجبین علی أرخص شيء و هو التراب (راجع :
الیواقیت و الجواهر للشّعراني الأنصاري المصري من علماء القرن
العاشر).
نعم ، لا بدّ أن یکون التراب طاهراً، ولهذا یحمل الشیعة معهم قطعة
من الطین(وهو التراب الملتزق ببعضه بعض) للتأکّد من طهارته . و
ربما یکون هذا الطین مأخوذاً من أرضٍ مبارکة کأرض کربلاء التي
استشهد فیها الإمام الحسین سبط رسول الله (ص) تبرّکاً ، کما کان
بعض الصّحابة یأخذون من حصی مکة للسجود علیها في أسفارهم ، تبرّکاً
(راجع المصنف للصنعاني).
و لکن لا یصرّ الشیعة الجعفریة علی هذا ، و لا یلتزمون به دائماً ،
بل یسجدون علی أيّ صخرة نظیفة طاهرة مثل بلاط المسجد النبوي
الشریف، و بلاط المسجد الحرام بلا إشکال و لا تردّد.
کما أنّهم لا یضعون یدهم الیمنی علی الید الیسری في الصلاة؛ لأنّ
النّبي (ص) لم یفعل ذلک ، و لأنه لم یثبت ذلک بالنص القاطع الصریح
، و لهذا لا تفعله المالکیة أیضاً(راجع البخاري و مسلم و سنن
البیهقي، و لمعرفة رأي المالکیة راجع بدایة المجتهد لابن رشد
القرطبي المالکي و غیره).
25.
و یتوضّأ الشیعة الجعفریة بغسل أیدیهم من المرافق إلی رؤوس الأصابع
لا العکس، لأنّهم أخذوا کیفیة الوضوء من أئمة أهل البیت (ع) و هم
أخذوه عن رسول الله صلّی الله علیه و آله و هم أدری من غیرهم بما
کان یفعله جدّهم ، و قد کان رسول الله (ص) یفعل هکذا ، و قد فسّروا
إلی في آیة الوضوء 14 بـ مع کما فعل ذلک الشافعي الصغیر في
کتابه : نهایة المحتاج.
کما أنّهم یمسجون أرجلهم و رؤوسهم و لا یغسلونها في الوضوء لنفس
السبب الذي ذکرناه ، و لأنّ ابن عباس قال : الوضوء غسلتان و مسحتان
، أو مغسولان و ممسوحان ، (راجع السنن و المسانید ، و راجع تفسیر
الفخر الرازي عند تفسیر آیة الوضوء).
26.
و یقولون بجواز زواج المتعة لنصّ القرآن الکریم به إذ قال : فما
استمتعتم به منهنّ فآتوهنّ أجورهن15 ، و لأنه فعله المسلمون في
عهد رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلم و فعله صحابته إلی منتصف
عهد خلافة عمر بن الخطاب ، و هو زواج شرعي یشارک الزواج الدائم في
:
أـ أن تکون المرأة غیر ذات بعل ، و في إجراء الصیغة المتکوّنة من
الإیجاب من جانب المرأة و القبول من جانب الرجل.
ب ـ و في وجوب إعطاء مالٍ إلی المرأة یسمّی في الدائم : المَهر ،و
في المتعة : الأجر، بنص القرآن کما مرّ أعلاه.
دـ و في وجوب إتخاذ العدّة من جانب المرأة بعد حصول انفصال الزوج
عن الزوجة.
هـ ـ و في وجوب العدّة بعد المفارقة ، و إلتحاق الوَلَد بالوالد، و
وجوب أن یکون الزواج واحداً لا أکثر.
وـ و في التوارث بین الولد و الوالد ، و الولد و الوالدة و بالعکس
أیضاً.
و یفارق الزواج الدائم في تعیین مدة في الزواج المؤقّت و في عدم
وجوب النفقة و القسمة علی الزوج للزوجة ، و عدم التوارث بین
الزوجین، و عدم الحاجة إلی الطلاق من أجل الانفصال ، بل یکفي
انقضاء المدّة المقررة أو التنازل عن بقیة المدة المذکورة في نصّ
العقد لها.
و حکمة تشریع هذا النمط من الزواج هي الاستجابة المشروعة و
المشروطة لحاجة الرجال و النساء الجنسیّة لمن لا یستطیع القیام بکل
لوازم الزواج ا لدائم ، أو حُرِم من الزوجة ، لوفاة أو سبب آخر و
بالعکس، مع إرادة العیش بکرامة و شرف ، و بالتالي فالمعتة في
الدرجة الأولی حلٌّ لمعضلة اجتماعیة خطیرة ، و لمنع وقوع المجتمع
الإسلامي في مستنقع الفساد و الإباحیة.
و قد یستفاد منها لأغراض التعارف المشروع قبل الزواج ، وهو بالتالي
یمنع من اللقاء الحرام، و الزنا ، و الکبت الجنسي أو استخدام
الأمور الأخری المحرّمة کالاستمناء بالنسبة لمن لا یطیق الصبر علی
زوجة واحدة ، أو لا یمکنه إدارة زوجة ـ أو أکثر من زوجة ـ
اقتصادیاً و معیشیاً و في نفس الوقت لایرید الحرام.
و علی کلّ حال ، فإنّ هذا الزواج یستند إلی الکتاب و السنّة ، و
عمِل الصحابة به ردحاً من الزمن، ولو کان زنا لکان معناه أنّ
القرآن و النّبي و الصحابة قد أحلّوا الزّنا و ارتکب فاعله الزنا
مدّة من الزمن ، و العیاذ بالله.
هذا مضافاً إلی أنّ نسخة لا یستند إلی الکتاب و السنّة ، ولم یقم
علیه دلیل قاطع و صریح.16
علی أنّ الشیعة الإمامیة و إن کانوا یبیحون و یحلّون هذا النوع من
النکاح المشرّع و المشروع بنصّ الکتاب و السنّة إلّا أنّهم یرجّحون
النکاح الدائم و إقامة العائلة لکونها أساس المجتمع القويّ السلیم
، و لا یمیلون إلی الزواج المؤقت المسمی في الشریعة بالمتعة مع
کونها ـ کما قلنا ـ حلالاً مشروعاً.
و بالمناسبة ، فإنّ الشیعة الإمامیة ـ انطلاقاً من الکتاب و السنّة
و تعالیم و توصیات أئمة أهل البیت علیهم السلامـ یکنّون کل احترام
للمرأة ، و یقیمون لها وزناً کبیراً، و لهم في مجال مکانة المرأة و
شؤونها و حقوقها و بخاصة في صعید التعامل الأخلاقي معها و الملکیة
و النکاح و الطلاق و الحضانة و الرضاع و العبادات و المعاملات
أحکام رائعة جدیرة بلاهتمام في روایات أئمتهم وفقههم.
27.
و یحرّم الشیعة الجعفریة : الزنا ، و اللّواط ،و
الرّبا ، و قتل النفس المحتمرة ، و شرب الخمر ، و القمار ،و الغدر،
و المکر، و الغشّ و الخدیعة ، و الاحتکار، و التطفیف، و الغضب ، و
السرقة ،و الخیانة ، و الغلّ ، والغناء و الرقص، و القذف ، والتهمة
، والنمیمة و الفساد، و إیذاء المؤمن ، و الغیبة ، و السبّ و
الفحش ، و الکذب و البهتان و غیر ذلک من الکبائر و الصغائر ،و
یحاولون ـ دائماً ـ الابتعاد عنها ،و تجنّبها ما أمکن . و یسعون
جهدهم لمنعها في المجتمع بالوسائل المختلفة کتألیف و نشر الکتب و
الکراسات الأخلاقیة و التربویة ، و إقامة المجالس و المحاضرات ،و
خطب الجمعة و ...
28.
و یهتمّون بفضائل الأخلاق و مکارمها ، و یعشقون
المواعظ ،و یبادرون إلی إستماعها ،و یعقدون لذک المجالس و الحلقات
في البیوت و المساجد و الساحات ، في المواسم و المناسبات رغبةً في
الاتّعاظ ، و من هنا یهتمّون بأدعیة جلیلة الفائدة ، عظیمة المحتوی
، وردت عن رسول الله صلّی الله علیه و آله و الأئمة الطاهرین من
أهل بیته مثل : دعاء کمیل ، و دعاء أبي حمزة ، و دعاء السمات ،و
دعاء الجوشن الکبیر،17 و دعاء مکارم الأخلاق ، و دعاء الافتتاح
(الذي یقرأ في شهر رمضان) و هم یقرأون هذه الأدعیة و المناجات
الرفیعة المضامین في خشوع و روحانیةٍ، و في حالة خاصة من البکاء و
الضّراعة ، لأنها توجب تهذیب نفوسهم ، و تقرّبهم إلی الله( وهذه
الأدعیة موجودةٌ في موسوعة تحت عنوان موسوعة الأدعیة الجامعة صدرت
مؤخراً ، کما هي موجودة کذلک في کتب الأدعیة ؛ المتداولة بینهم و
المعروفة في أوساطهم).
29.
و هم یهتمّون بقبور و مراقد النبيّ صلّی الله علیه و آله ، و
الأئمة من أهل بیته المطهرین و ذریّته الطیّبین المدفونین في
البقیع ، بالمدینة المنوّرة حیث مرقد الإمام حسن المجتبی ، و
الإمام زین العابدین ، و الإمام محمّد الباقر ، و الإمام جعفر
الصادق(ع).
و في النجف حیث مرقد الإمام علي (ع) . و کربلاء حیث مرقد الإمام
الحسین بن علي(ع) و إخوته و أبنائه و أبناء عمومته ،و أصحابه الذین
استشهدوا معه یوم عاشوراء.
و في سامراء حیث مرقد الإمام الهادي و العسکري(علیهما السلام).
و في الکاظمیة حیث مرقد الإمامین الجواد و الکاظم (ع) و کل ذلک
بالعراق.
و في مدینة مشهد بإیران حیث مرقد الإمام الرضا(ع) .
و في مدینة قم ، و شیراز حیث مراقد أبنائهم و بناتهم ، و في دمشق
حیث مرقد بطلة کربلاء السیدة زینب.
و في القاهرة حیث مرقد السیدة نفیسة (و هي من کرائم أهل البیت).
و ذلک احتراماً لرسول الله صلّی الله علیه و آله ، لأنّ الرجل یحفظ
في ولده ، و تکریم ذریة الرّجل تکریم له ، و لأنّ القرآن الکریم
مدح آل عمران ،و آل یس و آل ابراهیم و آل یعقوب و أشاد بهم ، و کان
بعضهم غیر أنبیاء ،و قال : ذریة بعضها من بعض18 .
و لأنّ القرآن لم یعترض علی من قالوا: لنتّخذنّ علیهم مسجداً19
أي لنبنینّ و نقیمنّ علی مراقد أصحاب الکهف مسجداً، لیعبد الله إلی
جانبهم ، و لم یصف عملهم بالشّرک ، لأنّ المسلم المؤمن یرکع و یسجد
لله و یعبده وحده ،و إنما یأتی بذلک إلی جانب ضریح هؤلاء الأولیاء
المطهّرین الطیبین لتقدّس المکان بهم، کما حصلت لمقام ابراهیم
قداسة و کرامة فقال الله تعالی : و اتّخذوا من مقام إبراهیم
مصلّی 20 .
فلیس من صلّی خلف المقام یکون قد عَبَد المقام ، و لا من تعبّد
الله بالسعي بین الصفا و المروة یکون قد عبدالجبلین ، إنما اختار
الله لعبادته مکاناً مبارکاً مقدّساً ینتسب إلی الله نفسه في المآل
، فإنّ للأیام و الأمکنة قداسة کیوم عرفة ، و أرض منی ، و أرض
عرفات ، وسبب قداستها هو انتسابها إلی الله تعالی.
30.
و لهذا السبب أیضاً ، یهتمّ الشیعة الجعفریّة ـ کغیرهم من المسلمین
الواعین المدرکین لشأن رسول الله صلّی الله علیه و آله و أهل بیته
الطاهرین ـ بزیارة مراقد أهل البیت (ع) ، تکریماً لهم ، و لأخذ
العبرة منهم و تجدیداً للعهد معهم و تأکیداً للقیم التي جاهدوا من
أجلها و استشهدوا للحفاظ علیها ، لأنّ الزوار لهذه المراقد یذکرون
في هذه الزیارات فضائل أصحابها ، و جهادهم و إقامتهم للصلاة و
إیتاءهم للزکاة ، و ما تحمّلوا في طریق ذلک من الأذی و العذاب ،
مضافاً إلی مشاطرة النبي الکریم ـ بهذا التعاطف مع ذریته المظلومین
ـ حُزنَه (ص) علیهم.
ألیس هو القائل في قضیة استشهاد حمزة : و لکنّ حمزة لا بواکي له
(کما في کتب التاریخ و السیرة)؟
و ألیس هو بکی في موت إبراهیم ولده العزیز؟
و ألیس کان یقصد البقیع لزیارة القبور؟
و ألیس هو القائل : زوروا القبور فإنها تذکّرکم بالاخرة21.
نعم ، إنّ زیارة قبور الأئمة من أهل البیت النبويّ و ما یذکر فیها
من سیرتهم و مواقفهم الجهادیة تذکّر الأجیال اللاحقة بما قدّمه
أولئک العظماء في سبیل الإسلام و المسلمین من تضحیات جسام ، کما و
تزرع فیهم روح الشّجاعة و البَسالة و الإیثار و الشهادة في سبیل
الله.
إنّه عملٌ إنسانيٌ حضاريٌ عقلانيٌ ، فالأمم تخلّد عظماءها ، مؤسسي
حضاراتها ، و تحیي مناسباتهم بکلّ شکل و لون، لأنّ ذلک یبعث علی
الافتخار و الاعتزار بقیمهم ، و یزید من إلتفات الأمم حولها و حول
قیمها.
و هذا هو نفس ما أراده القرآن عندما أشاد في آیاته بمواقف الأنبیاء
و الاولیاء و الصالحین و ذکر قصصهم.
31.
و الشیعة الجعفریة یستشفعون برسول الله (ص) و الأئمة من أهل بیته
المطهرین و یتوسّلون بهم إلی الله تعالی ، لمغفرة الذنوب ، و قضاء
الحوائج ، و شفاء المرضی ، لأن القرآن هو الذي سمح بذلک بل دعی
إلیه ، حیث قال : و لو أنّهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوک فاستغفروا
الله و استغفر لهم الرّسول لوجدوا الله توّابا رحیماً22 .
و قال : و لسوف یعطیک ربّک فترضی 23 و هو مقام الشفاعة.
فکیف یعقل أن یعطي الله لنبیّه الکریم مقام الشفاعة للمذنبین، و
یعطیه مقام الوسیلة لذوي الحاجات ثم یمنع الناس من طلب الشفاعة منه
، أو یحرم النبيّ من الاستفادة من هذا المقام؟!
ألیس الله تعالی حکی عن أولاد یعقوب أنهم طلبوا الشفاعة من والدهم
و قالوا له : یا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنّا کنّا خاطئین 24
فلم یعترض علیهم ذلک النبي الکریم المعصوم بل قال : سوف أستغفر
لکم؟25
و لا یمکن لأحد أن یدّعي أنّ النبيّ و الأئمة صلوات الله علیهم
أمواتٌ ، فطلب الدعاء منهم لا یفید ، و ذلک لأنّ الأنبیاء أحیاء و
خاصّة رسول الله صلّی الله علیه و آله ، الذي قال عنه سبحانه: و
کذلک جعلناکم أمّة وسطاً لتکونوا شهداء علی النّاس و یکون الرّسول
علیکم شهیداً26 أي شاهداً.
و قال : و قل اعملوا فسیری الله عملکم و رسوله و المؤمنون27 .
و هذه الآیة جاریةٌ و مستمرةٌ إلی یوم القیامة جریان الشمس و القمر
، و استمرار اللیل و النهار.
و أیضاً لأنّ النّبي و الأئمة من أهل بیته شهداء ،و الشهداء أحیاء
، کما قال الله تعالی أکثر من مرة في کتابه العزیز.
32.
و الشیعة الجعفریة یحتفلون بموالید النبيّ و الأئمة من أهل بیته
صلوات الله علیهم أجمعین ، و یقیمون المآتم في وفیاتهم ، ذاکرین
فیها فضائلهم و مناقبهم و مواقفهم الرشیدة ، التي وردت بالنقل
الصّحیح تبعاً للقرآن الذي ذکر مناقب النبي(ص) و غیره من الرسل ، و
أشاد بها ، و لَفَت الأنضار إلیها للإتّساء و الاقتداء ، و
للاعتبار و الاهتداء.
نعم ، یتجنّب الشیعة الجعفریة في هذه الاحتفالات الأفعال المحرّمة
، کالاختلاط المحرّم بین الرّجال و النساء و أکل المحرّم و شربه، و
الغُلوّ في المدح و الثّناء،28 و غیرها من التصرّفات التي تتنافی و
روح الشریعة الإسلامیة المقدّسة، و تتجاوز حدودها المسلّمة ، أو لا
تنطبق علیها آیةٌ أو روایة صحیحة ، أو قاعدةٌ کلیّةٌ مستنبطةٌ من
الکتاب و السنة بالاستنباط الصحیح.
33.
و یستفید الشیعة الجعفریة من کتب تحتوي علی أحادیث الرّسول الاکرم
و أهل بیته المطهّرین صلوات الله علیهم أجمعین مثل : الکافي
للثقة الإسلام الکلیني ، و من لا یحضره الفقیه للشیخ الصّدوق ،
و الاستبصار و التهذیب للشیخ الطوسيّ ، وهي کتبٌ قیّمة في
مجال الحدیث.
و هذه الکتب ، و إن احتوت علی أحادیث صحیحة إلا أنّها ـ رغم ذلک ـ
لم یطلق علیها أصحابها و مؤلفوها و لا الشیعة الجعفریة عنوان:
الصحیح و لهذا لا یلتزم الفقهاء الشیعة بصحة جمیع أحادیثها ، بل
یأخذون ما تثبت عندهم صحته منها، و یترکون ما لا یرونه صحیحاً ، أو
حسناً ، أو مما یمکن الأخذ به حسب تعابیر علم الدرایة و الرّجال و
قواعد علم الحدیث.
34.
کما یستفیدون ـ في مجال العقیدة و الفقه و الدعاء و الاخلاق ـ من
کتب أخری رویت فیها روایات متنوعة عن الائمة الطاهرین مثل کتاب :
نهج البلاغة الذي ألفه السید الرضيّ رحمه الله من : خطب الإمام
علي (ع) و رسائله و حکمه القصار.
و مثل رسالة الحقوق و الصحیفة السجادیة للإمام زین العابدین
علي بن الحسین علیهما السّلام ،و الصحیفة العلویة للإمام علي (ع) ،
عیون أخبار الرضا ،و التوحید ،و الخصال ، وعلل الشرائع ، و
معاني الأخبار للشیخ الصدوق(رضي الله عنه).
35.
و ربما استند الشیعة الجعفریة إلی أحادیث صحیحة
لرسول الله صلّی الله علیه و آله ، وردت في مصادر إخوانهم من أهل
السنّة و الجماعة 29 في مختلف المجالات من دون تعصّب ، أو تزمّت ،و
تشهد بذلک مؤلفاتهم قدیماً و حدیثاً ، حیث وردت فیها أحادیث من
صحابة النبيّ صلی الله علیه و آله و أزواجه و مشاهیر الصحابة و
کبار الرواة کأبي هریرة و أنس و غیرها ، بشرط صحّته و عدم معارضته
للقرآن و الأثر الصحیح ، و العقل الحصیف و إجماع العلماء.
36.
یری الشیعة الجعفریة بأنّ ما لحق بالمسلمین قدیما و حدیثاً من
المحن و الویلات ما کان إلّآ نتیجة أمرینهما:
أولاً: تجاهل أهل البیت (ع) کقادة مؤهّلین للقیادة ،و تجاهل
إرشاداتهم و تعالیمهم ، و بخاصة تفسیرهم للقرآن الکریم.
و ثانیاً: التفرّق و التشتت و الاختلاف و التنازع بین المذاهب و
الفِرق الإسلامیة.
و لهذا یسعی الشیعة الجعفریة دائماً إلی توحید صفوف الأمّة
الإسلامیة ،و یمدّون ید المحبّة و الأخوة إلی الجمیع ، محترمین
اجتهادات علماء تلک الفرق و المذاهب ،و أحکامها.
و في هذا السبیل دأب علماء الشیعة الجعفریة منذ القرون الإسلامیة
الأولی علی ذکر آراء الفقهاء غیر الشیعة في مؤلفاتهم الفقهیّة و
التفسیریة و الکلامیة مثل : الخلاف في مجال الفقه ، للشیخ
الطوسي، و مجمع البیان في مجال التفسیر، للطبرسي ، و الذي مدحه
أبرز علماء الأزهر.
و مثل تجرید الاعتقاد لنصیر الدین الطوسي في مجال العقیدة ، و
الذي قام بشرحه علاء الدین القوشجي الأشعري.
37.
و یری علماء الشیعة الجعفریة البارزون ضرورة الحوار بین علماء
المذاهب الإسلامیة المختلفة في مختلف مجالات الفقه و العقیدة و
التاریخ ،و التفاهم في قضایا المسلمین المعاصرة ، و الاجتناب عن
التراشق بالتّهم ، و تسمیم الأجواء بالسّباب ، حتی تتهیّأ أرضیّة
مناسبة لإیجاد تقارب منطقيٍّ بین فصائل الأمّة الإسلامیة و شرائحها
المتعدّدة ، لسدّ الطریق علی أعداء الإسلام و المسلمین ، الذین
یبحثون عن الثغرات لتوجیه ضربة قاضیة إلی کافة المسلمین ، من دون
استثناء.
و هي هذا السّیاق لا یکفّر الشیعة الجعفریة أحداً من أهل القبلة
قطّ ، مهما کان مذهبه الفقهي و منحاه العقیدي إلّا ما أجمع
المسلمون علی تکفیره ، و لا یعادونهم، و لا یسمحون بالتآمر علیهم
،و یحترمون اجتهادات الفِرَق و المذاهب الإسلامیة و یرون عمل من
ینتقل من مذهبه إلی مذهب الشیعة الجعفریة الإمامیة مجزیاً و مسقطاً
للتکلیف و مبرءاً للذمّة، اذا کان قد عمل وفق مذهبه في الصلاة و
الصیام و الحج و الزکاة و النکاح و الطلاق و البیع و الشراء و
غیرها ، فلا یجب علیه تجدید صیغة النکاح أو الطلاق ما دام أجراهما
وفق المختار من مذهبه.
و هم یتعایشون مع إخوانهم المسلمین في کل مکان کما لو کانوا إخوةً
و أقارب.
نعم ، لا یوافقون المذاهب الاستعماریة کالبهائیة و البابیّة و
القادیانیّة و ما شاکل ذلک ، بل یخالفونها و یحاربونها و یحرّمون
الانتماء إلیها.
و إذا کان الشیعة ـ أحیاناً و لیس دائماً ـ یستخدمون التقیة ، وهي
تعني کتمان ما هم علیه من المذاهب و المعتقد ، و هو أمرٌ مشروع بنص
القرآن الکریم و معمولٌ به بین المذاهب الإسلامیة في ظروف الصراع
الطائفي الحاد، فهو لأحد عاملین:
أحدهما : الحفاظ علی أنفسهم و دمائهم حتی لا تذهب هدراً.
و ثانیهما : الحفاظ علی وحدة المسلمین و عدم تعرضها للتصدّع.
38.
و یری الشیعة الجعفریة أنّ من أسباب تأخّر المسلمین الیوم ، هو
التخلّف الفکريّ و الثقافي و العلمي و التکنولوجي، و أنّ العلاج
یکمن في توعیة المسلمین رجالاًو نساءاً ، و رفعِ مستواهم الفکري و
الثقافي و العلميّ بإیجاد المراکز العلمیة کالجامعات و المعاهد، و
الإستفادة من معطیات العمل الحدیث في رفع المشاکل الاقتصادیة ، و
العمرانیة ،و الصناعیة ،و زرع الثقة في نفوس أبناء لدفعهم إلی
میادین العمل ، والنشاط إلی أن یتحقق الاکتفاء الذاتيّ ، و یقضي
علی حالة التبعیّة و الذیلیّة للأجانب.
نو لهذا أسّس الشیعة الجعفریة ، أینما حلّوا و نزلوا، مراکز علمیّة
و تعلیمیّة، و أقاموا معاهد لتخریج اختصاصیّین في مختلف العلوم .
کما انخرطوا في الجامعات و المعاهد في کل بلد، و تخرّج منهم علماء
و فنیّون في مختلف الأصعدة الحیویّة قدنالوا مراکز علمیّة متقدمة.
39.
یرتبط الشیعة الجعفریة بعلمائهم و فقهائهم عن طریق ما یسمّی بینهم
بالتقلید في الأحکام ، فإلیهم یرجعون في مشکلاتهم الفقهیّة ، و
یعملون في جمیع مجالات حیاتهم طبقاً لآراء الفقهاء، لأنّ الفقهاء ـ
في عقیدتهم ـ وکلاء آخر الأئمة الطاهرین و نوّابه العامّین ، و حیث
إنّ علماءهم و فقهاءهم لا یعتمدون في معایشهم و اقتصادهم علی
الدّول و الحکومات ، لهذا یحظون بثقة کبیرة و عالیة من قبل أبناء
هذه الطائفة الکبری.
و تؤمن الحوزات العلمیة الدینیة ـ و هي مراکز لتخریج الفقهاء ـ
حاجاتها الاقتصادیة من أموال الخمس و الزکاة التي یدفعها الناس إلی
الفقهاء رغبةً و طواعیةً ، وکوظیفة شرعیة مثل الصلاة والصیام.
و لوجوب دفع الخمس عند الشیعة الإمامیة من أرباح المکاسب أدلة
واضحة ورد قسم منها في جملة الصحاح و السنن أیضاً (راجع کتب مبحث
الخمس الاستدلالي عند فقهاء الشیعة).
40.
یری الشیعة الجعفریة أنّ من حق المسلمین أن یتمتعوا بحکومات
إسلامیة تعمل وفق الکتاب و السنة ، و تحفظ حقوق المسلمین ،و تقیم
علاقات عادلة و سلیمة مع الدّول الأخری، و تحرس حدودها ، وتضمن
استقلال المسلمین ثقافیاً ،و اقتصادیاً و سیاسیاً ، لیکون المسلمین
أعزّاء کما أراد الله لهم إذ قال تعالی : و لله العزّة و لرسوله
و للمؤمنین30.
و قال تعالی : و لا تهنوا و لا تحزنوا و أنتم الأعلون إن کنتم
مؤمنین.31
و یری الشیعة أنّ الإسلام ـ بوصفه الدین الکامل و الجامع ـ یحتوي
علی منهج دقیق لنظام الحکم ، و أنّ علی علماء الأمّة الإسلامیة
العظیمة أن یحتمعوا و یتباحثوا فیما بینهم لاستجلاء الصورة الکاملة
لهذا المنهج ،و هذا النظام ، لیخرجوا هذه الأمّة من الحیرة و من
دوامة المشاکل التي لا تنتهي ، والله الناصر و المعین.
إن تنصروا الله ینصرکم و یثبّت أقدامکم
هذه أبرز الخطوط في مجال العقیدة و الشریعة عند الشیعة الإمامیة
المسمّاة بالجعفریّة أیضاً.
و هذه الطائة الیوم یعیش أبناؤها إلی جانب إخوتهم المسلمین في جمیع
البلاد الاسلامیة، و هي حریصة علی الحفاظ علی کیان المسلمین و
عزّتهم ، و مستعدة لبذل النفس و النفیس في هذا السبیل
__________________________
13 طه ، الآیة 55
14 المائدة ، الآیة 6
15 النساء ، الآیة 24.
16 راجع کلّ أحادیث المتعة في الصحاح و السنن و المسانید المعتبرة
عند المذاهب الإسلامیة المختلفة.
17 و هو یضمّ ألف اسم من أسماء الله في نسقٍ رائع و مؤثّر.
18 آل عمران ، الآیة 34.
19 الکهف ، الآیة 21.
20 البقرة ، الایة 125
21 شفاء السقام للسبکي الشافعي ص 107، و مثله في سنن ابن ماجة
117:1.
22 النساء ، الآیة 64.
23 الضحی ، الآیة 5.
24 یوسف ، الآیتان 97و 98.
25 یوسف ، الآیتان 97و 98
26 البقرة ، الآیة 143.
27 التوبة ، الآیة 105.
28 و الغلوّ هو رفع إنسان إلی مستوی الألوهیّة أو الربوبیّة ، أو
اعتقاد أنه یفعل شیئاً مّا مستقلّا عن المشیئة الإلهیة و إذن الله
تعالی ، کما یفعل النصاری و الیهود في حق أنبیائهم.
29 ینبغي التنویه ـ هنا ـ بأنّ الشیعة الإمامیة هم أهل السنّة
أیضا لأنّهم یأخذون بما جاء في السنّة النبویّة قولاً و عملاً و
إمضاءً ، و منها وصایا النبي (ص) في حقّ أهل بیته و یلتزمون به
التزاماً عملیاً دقیقاً و عقائدهم و فقهمم و کتبهم الحدیثة خیر
شاهد علی ذلک و قد صدرت مؤخّرا موسوعة مفصّلة تقع في أکثر من عشر
مجلدات تضمّ روایات الرسول الأکرم في مصادر الشیعة تسمی بـ (سنن
النبيّ).
30 المنافقون ، الآیة 8.
31 آل عمران ، الآیة139.
انتهی/125
المصدر: موقع
أبناء:
http://abna.ir/data.asp?lang=2&Id=193846
http://abna.ir/data.asp?lang=2&Id=193847