معائشهم فإذا محصّوآ بالبلاء
قلّ الدیّانون
إنّنا نحن علی علم بأن الله تبارک و
تعالی خلق السموات و الأرض و الملائکة و الجن و الإنس
لطاعته و عبادته کما یفول فی القرآن :
" وما خلقت الجن و الإنس الاّ
لیعبدون" و الدنیا کفرصة ذهبیة بید الجن و
الإنس حتی یستغلوا عن دقائقها و لحظاتها فی طریق
التقرب الی الله تبارک و تعالی و یجب علی الإنسان
التأسّی بالأنبیاء و الأولیاء فی هذا المهم ، فإنهم
عاهدوا الله منذ بدایة أعمارهم بأن یؤمنوا به إیمانا
کاملا و راسخا فی قلوبهم و أرواحهم و بعد ذلک لم
یفکروا فی الدنیا و ما آتاهم الله منها و هم ترکوا
الدنیا لأهلها و إنقطعوا الی الله کمال الإنقطاع الیه
و صرفوا أوقاتهم و فرصهم فی هدایة الناس و رضا الله
تعالی و هذه هی قصص الانبیاء و الأولیاء فی القرآن و
السنة و التأریخ وما رأی التاریخ نبیا و لا رسولا و لا
ولیا یقبل الی الدنیا و یهتمّ بحرث الدنیا یعنی المال
و البنین ، لأنهم کانوا یعرفون ما فی الدنیا من عدم
الوفاء و الخراب و عدم البقاء لملکها و مالها و
أولادها بل هم کانوا أشد الناس بلاء کما یقول الإمام
الصادق (علیه السلام ) : " إن
اشدّ الناس بلاء الإنبیاء ثم الذین یلونهم ثم الأمثل
فالأمثل " و ورد فی حدیث عن امیرالمؤمنین علی
ابن ابی طالب (علیه السلام ) فی نهج البلاغة :
" مرارة الدنیا حلاوة الأخرة و
حلاوة الدنیا مرارة الأخرة "
إن الدنیا لیست لها قیمة فی أعین
الأنبیاء و الأولیاء حتی یفکّروا فیها کما ورد فی
القرآن الکریم آیات تحذّرنا عن الدنیا و الإهتمام بها
و وصفت الدنیا فی القرآن بمتاع قلیل و لهو و لعب و
تفاخر و غیرها و یحثّ القرآن المؤمنین فی حرث الآخرة
، هذا إضافة الی اقوال النبی و اهل بیته ( علیهم
السلام ) ، فیقول النبی الأکرم ( صلی الله علیه و آله
و سلم ) : " لو کانت الدنیا
تعدل مثل جناح بعوضة ما أعطی کافرا و لا منافقا منها
شیئا " ( تحف العقول /38) والامام علی ابن ابی
طالب ( علیه السلام ) یقول : "
إن دنیاکم هذه لأهون فی عینی من عراق خنزیر فی ید
مجذوم و أحقر من ورقة فی فم جراد ، ما لعلیّ و نعیم
یفنی و لذة لا تبقی " ( غررالحکم ج1 / 259)
فإن مثل هذه الکلمات من النبی و أهل بیته الطیبین (
علیهم السلام ) خاصة الامام علی ابن ابی طالب ( ع )
کثیرة جدا فإنه ( علیه السلام ) قد حذّر المسلمین عن
الإقبال الی دار الغرور فی کلماته التی جمعت فی نهج
البلاغة و غرر الحکم و غیرهما من المصادر الحدیثیة و
یقول أیضا فی نهج البلاغة : " الدنیا
خلقت لغیرها و لم تخلق لنفسها " و ایضا
" مثل الدنیا کمثل الحیة لیّن
مسّها و السمّ الناقع فی جوفها یهوی الیها الغرّ
الجاهل و یحذرها ذواللبّ العاقل " و ایضا
" الناس أبناء الدنیا و لا یلام الرجل علی حبّ أمه "
کذلک نقل عن الإمام الحسین ابن علی
(علیه السلام ) هذا الحدیث الذی نقلناه عنه فی بدایة
هذا المقال و هو یشیر الی أهل زمانه الذین دعوه الی
الکوفة و هم یعرفونه و یعرفون منزلته عند جده النبی
الأکرم ( صلی الله علیه و آله و سلم ) مع ذلک ترکوه و
شارک بعضهم فی قتله یوم عاشورا ، فالذین قاتلوه فی
کربلا و قتلوا الحسین و أصحابه و إخوانه و إبناه علی
الأکبر و علی الأصغر و والبعض الآخرین من عشیرته و هم
فی قلة فإنهم کانوا لا یؤمنون بالله و لا یثقون به و
لا یتوکلون علیه ، فجیوش عبید الله ابن زیاد ابن ابیه
بقیادة عمر ابن سعد ابن ابی وقاص هم کانوا من مصادیق
کلام الامام و هم کانوا عبید الدنیا و دینهم علی
ألسنتهم و إیمانهم کان لأجل المعیشة و دخلوا کربلا و
قتلوا الحسین و أصحابه لأجل دنیا أنفسهم أو دنیا غیرهم
فهم شر الناس کما ورد فی حدیث عن النبی الأکرم (صلی
الله علیه و آله ) : " شر الناس
من باع آخرته بدنیاه و
شره من باع آخرته بدنیا غیره " ( نهج الفصاحة /حکمة
/1799 ) فأهل الکوفة شارکوا فی قتل الحسین ابن
علی ( علیهما السلام ) و قد باعوا آخرتهم بدنیا عمر
ابن سعد و عبید الله ابن زیاد و یزید ابن معاویة و
غیرهم و لم ینال الدنیا ای واحد منهم و هؤلاء کلهم
ألقوا أنفسهم الی التهلکة لخوفهم من الفقر أو طلبهم
للفخر کما یقول الامام علی ابن ابی طالب ( علیه السلام
) : " أهلک
الناس اثنان ، خوف الفقر و طلب
الفخر " ( غرر الحکم ) و یقول ایضا : " إحذر الدنیا ،
فإنها شبکة الشیطان و مفسدة
الإیمان " (
غرر الحکم / ج1 / 143 )
و الامام جعفر الصادق ( علیه السلام ) یقول
: " حب الدنیا رأس کل خطیئة "
علی أی حال إذا نرید النجاة عن
الطوافن المدمرة الفکریة و الإجتماعیة فی البحر
المتلاطم و نبحث عن الطریق المطمئن للرجوع الیه
فعلینا التمسک بالنبی و أهل بیته الطاهرین ( علیهم
السلام ) و إذا کنا نتمسک بسیرة الأنبیاء و الأولیاء
کاملا من قبل ، لیس حالنا کمثل هذا و لم نشاهد ما
نشاهده حالیا فی الکثیر من الدول الإسلامیة من
المشاکل المعیشیة و الفقر و الفساد و عدم الإلتزام
بالدین و الفرائض و کنا نحن المسلمون یدا واحدة و کان
بإمکاننا رفع جمیع المشاکل خاصة الظلم و التبعیض و عدم
العدالة الإجتماعیة و آنذاک یمکننا أن نسمی أنفسنا
مسلمین و مؤمنین و أتباع دین الحنیف و الوقت لیس
متأخرا و علینا أن نعود الی أنفسنا و هویتنا الأصیلة
التی فقدناها و ألقینا أنفسنا فی البحار المواجة و لیس
بأیدینا ما نتشبث به و ترکنا سفینة النجاة التی تتمثل
فی أهل البیت کما یقول النبی الأکرم ( صلی الله علیه و
آله و سلم ) فی حدیث السفینة التی نقله الحاکم فی
مستدرکه و أوینا الی جبال لکی تعصمنا من الماء و لم
تعصمنا منه و یجب الاستغلال عن الفرصة الباقیة بإذن
الله سبحانه و تعالی . و هذا هو الامام الحسین ابن علی
( علیه السلام ) الذی علّمنا دروس الحریة و الجهاد و
الدفاع عن الدین و علینا التدقیق فی نهضته و التمسک
بسیرته و سیرة أبیه و جده ( علیهم السلام ) فی جمیع
شئوننا و أیام عمرنا و نعرف بأن أعمارنا قصیرة جدا و
سوف یأتینا أمر إلهی ویجب علینا الإستعداد لسفرنا و
الحصول علی الزاد قبل حلول آجالنا کما فی الحدیث .
8-«
قال امیر المؤمنین (علیه السلام): إن الدنیا عیشها
قصیر و خیرها یسیر وإقبالها خدیعةوإدبارها
فجیعةولذاتها فانیةوتبعاتها باقیة»غرر الحکم / ج 1/260
7
-قال علي بن ابي طالب(عليه السلام): ينبغي للعاقل أن
يحترس من سكرالمال وسكر القدرة وسكر االعلم و سكر
المدح و سكر الشباب، فإنّ لكل ذلك رياح خبيثة تسلب
العقل و تستخف الوقار. (غرر الحكم/ج2)
كما تعلمون إن الكبر من الذنوب
الكبيرة و ورد في القران الكريم آيات كثيرة تحكي عن
غضب الله تبارك و تعالي علي المتكبرين و المستكبرين،
فالإبليس هو إستكبر عن أمر الله في السجدة علي سيدنا
آدم(عليه السلام) و أصبح من الكافرين و أخرج من الجنة
و ذلك بعد الآلاف من السنوات من عبادته لله تعالي،
فيقول الله تعالي عنه في قرآنه :
" و إذ قلنا للملائكة
أسجدوا لآدم فسجدوا إلّا ابليس أبي و إستكبر و كان من
الكافرين" (بقرة/34) فتكبره كان عاملا
رئيسيا في كفره و غضب الله عليه، و يحذّرنا امير
المؤمنين علي بن ابي طالب(عليه السلام) عن الكبر في
نهج البلاغة و يقول:"
إحذر الكبر فإنه رأس الطغيان و معصية الرحمن"
إن الانسان ينسي ما كان عليه في
أوان طفولته من عدم قدرته و ماله و حاجته إلي الآخرين
و يتغافل عما سوف يكون عليه في أواخر عمره القصير من
عدم قدرته و حاجته إلي الآخرين مرة أخري و لأجل هذا
يتكبر أمام الآخرين و يسرّه كسب المال و القدرة و
الشباب و المدح و العلم و يزعم أن هذه النعم هي تبقي
له إلي الأبد و هذه هي مفاخر حقيقية له و سبب لفضله
علي الآخرين! غير أن الحسب و الكرم عند الله ليس من
أجل هذه الأشياء و يقول النبي الاكرم(صلي الله عليه و
آله)" لا حسب إلّا
بالتواضع و لا كرم إلّا بالتقوي و لا عمل إلّا بالنية"
ففي الحقيقة التواضع يكون عاملا أو دليلا علي حسب
الانسان و أصالته و التقوي هي عامل لكرامته و فضله عند
الله كما يقول القرآن الكريم
" إن أكرمكم عند الله أتقاكم"
فعلي وفق هذا الحديث، آلإنسان
لتكبره يصاب بالسكر كما يعبر عنه الامام علي بن أبي
طالب(عليه السلام) و كما أنّ السكران من الخمر لا يري
و لا يفهم كثيرا من الأشياء و يرفع صوته و يتكبر و
يقوم بما لا يقوم به في حال اليقظة؛ فالمتكبر كذلك لا
يري ما هو الواقع من حاله و يزعم أنه أفضل من الآخرين
و مختار عليهم و لهذا لا يسلّم عليهم و لا يحترمهم و
يمشي في الأرض مرحا مع أن الله تبارك و تعالي ينهي عن
هذه الصفة و يقول:
" و لا تمش في الأرض مرحاً إنك لن تخرق الأرض و لن
تبلغ الجبال طولا" ( الإسراء/37)
إن اميرالمؤمنين علي
بن ابي طالب الذي كان علي رغم قدرته و علمه،أسوة
للمتواضعين و كنّاه الرسول الأكرم(صلي الله عليه و آله
و سلم) بأبي تراب، يقول:
"ما لإبن آدم و الفخر، أوله نطفة و آخره جيفة، لا يرزق
نفسه و لا يدفع حتفه" (نهج البلاغة/ حكمه 443)
سوف نواصل الموضوع في الحديث
الآتي بإذن الله تبارك و تعالي.
6 -قال
علي بن أبي طالب(عليه السلام):« إنّ أعظم الناس حسرة
يوم القيامة رجل إكتسب مالا من غير طاعة الله فورّثه
رجلا أنفقه في طاعة الله فدخل به الجنّة و دخل الأول
النار» (غرر الحكم ج1/242)
كما نعلم إن الله
تبارك و تعالي أرسل إلينا دستورا كاملا لأمور دنيانا و
أخرينا، ففي الموضوعات الإقتصادية قد دوّنت كتب و
أبواب في الفقه الاسلامي و منها باب أو كتاب المتاجر و
المكاسب، إنّ في الكتب الفقهية الشيعية و منها اللمعة
الدمشقية و شرحه للشهيدين الاول و الثاني و كتاب
الشرايع للمرحوم الحلي و غيرهما أبواب في المتاجر و
المباحث الاقتصادية الأخري كالكفالة و الاجارة
والمزارعة و المضاربة و إحياء الموات و غيرها و منبع
جميع المباحث هو الكتاب و السنة و سائر المنابع التي
يستنبط منها الأحكام الفرعية. و البعض من الفقهاء
كالشيخ الانصاري ألف كتابا في المكاسب و البيع و
الخيارات و سماه بإسم كتاب المكاسب و وسّع المباحث في
هذه الابواب و البعض الأخري كالمرحوم الشيخ محمد حسن
النجفي المشهور بصاحب الجواهر ألف كتاب الجواهر و ذلك
في شرح الشرايع و وسع المباحث الفقهية و منها أبواب
المتعلقة بالموضوعات الاقتصادية و الغرض من جميع هذه
المباحث هو الإهتمام بصحة المعاملات و العقود و
الايقاعات و ذلك بجانب الوظائف و التكاليف العبادية و
الاخلاقية. إن الله تبارك و تعالي يأمرنا في القرآن
الكريم بأن لا نأكل أموالنا بيننا بالباطل و أحلّ
البيع و حرّم الربا و جعل في أموالنا حقوقا يجب علينا
أن نردّها إلي أهلها و من الحقوق الواجبة هي الزكوه و
الخمس و هما من الفروع الدينية و ورد في الروايات بأن
الدنيا في حلالها حساب و في حرامها عقاب، فبعد هذه
الشريعة الكاملة التي لم يغمض فيها صغير الدنيا و لا
كبيرها، فعلي جميع المكلفين التدقيق و الإهتمام في
جميع قضاياهم الدنيوية و الاخروية و خاصة في كسب المال
و صرفه ، فالدنيا ليست هدفا و مقصدا لأهلها بل هي
الطريق إلي الآخرة و الآخره هي المأوي و ورد في حديث
آخر عن أميرالمؤمنين(عليه السلام)
« إحذر الدنيا فإنها شبكة
الشيطان و مفسدة الايمان» فالإنسان يجب أن
يعرف حد الدنيا و الآخرة و يعمل لدنياه علي قدر مقامه
فيها و للآخرة علي قدر بقائه فيها كما ورد في بعض
الروايات، اما من يجمع المال في الدنيا فيجب أن لا
يكون في قلبه و روحه حبّه و يدفع الحقوق اللازمة و يصل
الرحم ويأخذ بيد المساكين و الفقراء و يدّخر ماله
لأخراه و يقدّمه إلي بعد موته. في هذالحديث يتكلم
الامام عن رجل له أعظم الحسرات يوم القيامة و هو الذي
جمع المال في معصية الله فيرثه أولاده أو ورثته
فينفقون هذه الاموال التي إكتسبها في المعصية و الظلم
و الباطل في سبيل الله فيدخل ذلك الرجل في النار و
يدخل الورثة في الجنة فكيف يكون حاله حينما ينظر إلي
وراثه في الجنة وهم دخلوا الجنة بصرفهم أمواله في طاعة
الله تبارك و تعالي.
5-قال رسول الله (ص) الصائم فی عبادة و
إن کان علی فراشه ما لم یغتب مسلما ( تحف العقول /
مواعظ النبی و حکمه )
إن الصائم بما
أنه یمسک مما یبطل الصوم ففی جمیع الساعات التی یمسک
فیها عن الاکل و الشرب فهو فی العبادة حتی لو کان فی
حالة الاستراحة والنوم . والرسول الاکرم یشیر الی هذه
الحقیقة کذلک فی الخطبة الشعبانیة و یقول فیها : و
نومکم فیها عبادة و انفاسکم فیها تسبیح و...
الا أن الصائم
اذا کان فی الفراش و یستریح ربما یمسک عن جمیع
المبطلات للصیام و لکن الصیام لیس الإمساک عن
المأکولات فحسب بل صیام اللسان و حتی الفکر أهم من
صیام البطن و إذا لایبالی الصائم فی کلامه و ما یقوله
و یغتاب أخاه المسلم فکأنما أکل لحم أخیه المؤمن میتا
کما یقول القرآن الکریم فی سورة الحجرات
« ... ولا یغتب بعضکم بعضا
أیحب أحدکم أن یأکل لحم أخیه میتا فکرهتموه
...»
فیقول الامام علی ابن ابی طالب (علیه السلام ) :
« صوم النفس خیر من صیام اللسان و صوم اللسان خیر من
صیام البطن » علی أی حال إن الزنا من
المحرمات و الکبائر و یبطل الصوم و علی الزانی فی حال
الصیام کفارة الجمع من عتق رقبة و إطعام ستین مسکینا و
صیام ستین یوما و أما الغیبة کما ورد فی الحدیث هی أشد
من الزنا لإن الزانی یستغفر الله والله یغفره أما
المغتاب (بالکسر) یستغفر الله و غفرانه و عفوه مشروط
بعفو المغتاب (بالفتح ) و قال النبی ( صلی الله علیه و
اله و سلم ) : « الغیبة أشد
من الزنا فقیل یا رسول الله و لم ذلک ؟ قال : صاحب
الزنا یتوب فیتوب الله علیه و صاحب الغیبة یتوب فلا
یتوب الله علیه حتی یکون صاحبه الذی إغتابه یحله »
( خصال شیخ الصدوق ج1 / 73)
نسأل الله تبارک
و تعالی أن یتقبل مما عملنا فی هذا الشهر المبارک خاصة
لیالی الإحیاء و لیلة لقدر و نرجوه أن یوفقنا فی
الأیام الباقیة منه فی القیام بجمیع ما ورد من الادعیة
و المناجاة و تلاوة القرآن و غیرها و نرجوا من الله
قبول صیامنا و عباداتنا .
4 -
قال علی (علیه السلام): «إنّ المرء إذا هلک، قال
الناس ما ترک و قالت الملائکة ما قدّم، لله آبائکم
فقدموا بعضا یکن لکم ذخرا و لا تخلّفوا کلا فیکون
علیکم کلّا.» ( نهج البلاغة)
إن
الإنسان یفقد الطریق کثیرا ما فی أیام حیاته القصیرة
فی هذه الدنیا و یحاول دائما فی جمع المال و الثروة
وکسب الفخر المادی من الأولاد و الأموال و الثمرات و
المقام و لا یفکر الکثیر بل الجلّ منهم فی تقدیم ما
یفیدهم فی الآخرة، فعلی هذا حینما یموت إنسانا،
فأقربائه و أصدقائه یطرحون هذا السؤال و هو، ما ترک
هذا المیت من الاموال لوراثه؟ فقضیة
المیراث و الترکة، قضیة هامة لهم و کثیرا ما یحدث بعض
المشاکل و الخلافات فی تقسیمه بینهم، خاصة لورثة أصحاب
الأموال و الأثریاء و اما أموات الفقراء و المساکین
یدفنون و ربما ما یترکون بعدهم لا یکفی لتجهیزهم و
تدفینهم و یزید الورثة من أموالهم لإکمال تجهیزهم.
هذا و
لکنّ الملائکة علی نص هذا الحدیث الشریف، یسئلون:
ماقدّم المیت الی الآخرة قبل مماته؟ لأن الله تعالی
یجزی المیت علی ما عمل فی الدنیا، فإذا عمل عملا صالحا
و إدّخر من أمواله و أعماله لیوم لا ینفع فیها مال و
لا ولد و لا مقام، فإن الله و ملائکته یستقبلونه
بحفاوة بالغة و یبشرونه بالجنة التی کان توعد فی
الدنیا و اذا لم یفکر فی أیام حیاته فی الآخرة و لم
یقم بوظائفه و تکالیفه الشرعیة و ظلم نفسه و الآخرین،
فهو من الخاسرین.إن الامام علی ابن ابی طالب( علیه
السلام) یقول فی الحدیث : یرحم الله تعالی آبائکم،
قدموا بعض ما نعمکم الله تعالی فی الدنیا الی أخریکم
لکی یکون ذخیرة فیها و لا تترکوا کل أموالکم فی الدنیا
للورثة حتی یکون کلّا و حملا علیکم!
إن الامام (علیه
السلام) یقول فی حدیث آخر:
"یا بنی آدم کن وصیّ
نفسک و إعمل فی مالک ما تؤثر أن یعمل من بعدک"
و المقصود
من الحدیث أن یقدم الانسان من أمواله الی الآخرة قبل
وفاته و لا یوصی للآخرین أن یعملوا من قبله، لأن الله
تعالی یضاعف علی ما یقوم به العبد نفسه و بهذالخصوص
روایات و حکایات تدل علی أفضلیة الأعمال التی یقوم بها
الانسان بدل أن یوصی بها أن یقوموا نیابة عنه بعد
مماته. وکذلک الامام الحسن المجتبی یقول لجنادة الذی
طلب منه أن یعظه قبیل إستشهاده :
"یا جنادة إستعدّ
لسفرک و حصل زادک قبل حلول أجلک."
علی أی حال الإنسان
حریص علی الدنیا و یرید زیادة علی ما کسب منها و یبخل
علی الانفاق و المشارکة فی الخیرات و لا یفکر فی سفره
الی الآخرة، السفر الذی له بعد و خطر و غربة و لا یمکن
الحصول علی ما یحتاجه بعد بدایة السفر یعنی بعد الموت
و کثیرا ما، لا یسفید ممّا اکتسبه من الاموال و لا
یفید الآخرین ایضا. إن النبی الاکرم(صلی الله علیه و
آله وسلم) یقول فی حدیث بهذا الموضوع:
«الرجال
أربعة: سخی و کریم و بخیل و لئیم، فالسخی الذی یأکل و
یعطی و الکریم الذی لا یأکل و یعطی و البخیل الذی یأکل
و لا یعطی و الئیم الذی لایأکل و لا یعطی.»( نهج
الفصاحة ج1/ ص463)
و قد روی أن الامام
علی( علیه السلام) أخذ بید فقیر و جعل دینارا فی کفّه
و إستشهد الله تبارک و تعالی بأ نه إدّخر الدینار
لآخرته و هو الذی قدّم خاتمه الی الفقیر و هو کان
راکعا فی الصلوة و نزلت آیة الولایة فی شأنه. فأین
النبی و الامام علی و أین الأمة الاسلامیة التی یعیش
الکثیر منهم فی الفقر و المجاعة و لایبالی أصحاب
الأموال منهم فی رفع مشاکل فقرائهم و النبی یقول فی
حدیث معروف:
" من أصبح و لا یهتّم بأمور المسلمین فلیس بمسلم"
3
-
قال الباقر (عليه السلام )
:أوحی الله عزّ وجلّ الی شعيب النّبی ، انّی معذّب من
قومک مأة ألف ، أربعين ألفاً من شرارهم و ستّين ألفاً
من خيارهم ، فقال (عليه السلام ) يا ربّ هؤلاء الأشرار
فما بال الأخيار ؟ فأوحی الله عزأ وجلّ اليه : داهنو
أهل المعاصی و لم يغضبوا لغضبی .
(فروع
الکافی ج۱
ص
۳۴۳ )
إن هذا
الحدیث یدل علی وجوب الأمر بالمعروف و النهی عن المنکر
لأن التسامح و التساهل و المداهنة تجاه اهل المعاصی و
اهل المنکر من اسباب غضب الله و سخطه و بالتالی نزول
عذابه تبارک و تعالی علیهم. لأن المداهنة و التسامح
بالنسبة الی اصحاب الجرائم و الفسق و الفجور فی
المجتمعات البشریة و عدم المبالات بالنسبة الیهم فی حد
نفسه هو ذنب کبیر و ورد فی حدیث عن امیر المؤمنین علی
ابن ابی طالب (علیه السلام ) ما هو نصه :
(الراضی بفعل قوم
کالداخل فیهم و لکل داخل فی الباطل إثمان ، إثم العمل
به و إثم الرضا به
) ففی القرآن الکریم
و الأحادیث و صفحات التاریخ قد ورد قصص من الأقوام
السابقین و ذلک فی عهد الأنبیاء العظام کقوم نوح ، قوم
لوط ، قوم ثمود ( صالح ) ، قوم عاد ( هود ) ، قوم شعیب
و أقوام أخری الذین أنزل علیهم العذاب المهین و الألیم
لأجل عدم ایمانهم الی الله و الإستمرار بما کانوا علیه
من الشرک و الضلالة و الطغیان و الفساد و الإستهزاء
للأنبیاء و الرسل ، إن من دواعی ارسال الرسل هو الامر
بالمعروف و النهی عن المنکر و ارشاد الناس الی ما هو
مقصود من الخلقة من الهدایة و الایمان و التقرب الی
الله و الابتعاد عن الشیطان و التخلق بأخلاق الله و
الأخلاق الحمیدة و ترک الأخلاق السیئة .فإذا ترک الأمر
بالمعروف و النهی عن المنکر کفریضة اجتماعیة و لا
یبالی الناس بما یقوم به الآخرون فالمجرم لا یری أمامه
مانعا و یشعر بنوع من الحریة المطلقة و یتجرء فی
مواصلة الجریمة و الذنب ، أما اذا أمر بالمعروف و ینهی
عن المنکر یومیا عدة مرات من قبل الآخرین فلا یری
لنفسه أمانا حتی یواصل المنکر و یترک المعروف . ففی
حدیث عن الامام محمد ابن علی الباقر ( علیه السلام )
یقول الامام : « إن الأمر
بالمعروف و النهی عن المنکر سبیل الأنبیاء و منهاج
الصلحاء فریضة عظیمة تقام بها الفرائض و تؤمن المذاهب
و تحل المکاسب و ترد المظالم و تعمر الأرض و ینتصف من
الأعداء و یستقیم الأمر . » إضافة الی أن
الله تبارک و تعالی قد أمرنا فی القرآن الکریم بالأمر
بالمعروف و النهی عن المنکرفی بعض آیاته الشریفة .
إن فلسفة
قیام الامام الحسین ابن علی (علیه
السلام ) فی عام 61 من
الهجرة و استشهاده و إستشهاد 72 من اصحابه و اهل بیته
هی القیام بهذه الفریضة الشرعیة و اصلاح أمة جده کما
یشیر الیها فی بعض کلماته الشریفة قبیل خروجه عن
المدینة المنورة و هو یقول (
... اللهم إنی أحب المعروف و أنکرالمنکر ...) و یقول
فی وصیته الی أخیه محمد الحنفیة (... و أنی لم أخرج
أشرا ولا بطرا و لا مفسدا و لا ظالما و إنما خرجت لطلب
الإصلاح فی أمة جدی أرید أن آمر بالمعروف أنهی عن
المنکر و أسیر بسیرة جدی و أبی علی ابن ابی طالب ...
) و نشیر الی تکریم أیام ذکری استشهاد الامام الحسین
ابن علی (ع ) بأنه قد أعلن فی ایران الاسلامیة فی خلال
ایام تاسوعا و عاشورا أسبوع الأمر بالمعروف والنهی عن
المنکر و بعض المراکز و من جملتها القوة الإنتظامیة و
الشرطة یقیمون بعض المراسیم و البرامج و لکنه علی رغم
تأثیره فی المجتمع الایرانی لا بد لنا أن نقول بأن هذه
الکمیة من الاهتمام بفریضة هامة کالامر بالمعروف و
النهی عن المنکر لا یکفی و یجب أن یکون کل العام عام
الأمر بالمعروف و النهی عن المنکر و یجب ایضا اعلان
الوفاق العام فی المجتمع حتی یری کل مسلم فی المجتمع
من واجبه أن یامر بالمعروف و ینهی عن المنکر دون
الإتکاء علی الحکومة و یجب علی قواة الشرطة و سلطة
القضاء الحمایة عن الذین یقومون بواجبهم الاجتماعی ان
شاء الله .أما للأمر بالمعروف و النهی عن المنکر شروط
و مراحل و یجب مراعتها عند الأمر و النهی ومن جملة
شروطها التزام نفس الآمر بالمعروف و الناهی عن المنکر
بالعمل بالمعروف و ترک المنکر و الذی لا یلتزم نفسه
بالمعروف و لا یبالی عن المنکر فلا أثر لأمره و لا
لنهیه و قد ورد فی حدیث عن المعصوم :
« کونوا دعاة للناس بغیر ألسنتکم »
فالأنبیاء و الأولیا هم الذین یلتزمون بما یقولونه
للناس قبله و لا یقولون ما لا یفعلون و قد نهی الله
تبارک و تعالی فی القرآن الکریم عن القول بلا عمل
و یقول تبارک و تعالی :
« یا أیها الذین آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون کبر
مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون » و
فی حدیث عن الإمام أمیر المؤمنین علی ابن
أبی طالب (علیه السلام ) یقول فی نهج
البلاغة : « ألداعی بلا عمل
کالرامِی بلا وتر »
2 -قال
علی ( علیه السلام) : مکتوب فی التورات فی صحیفتین ،
إحداهما: من أصبح علی الدنیا حزینا فقد أصبح لقضاءالله
ساخطا و من أصبح من المؤمنین یشکو مصیبة نزلت به إلی
من یخالفه علی دینه فإنما یشکو ربه إلی عدوه و من
تواضع لغنی طلبا لما عنده ، ذهب ثلثا دینه و من قرأ
القرآن فمات فدخل التار فهو ممن یتخذ آیات الله هزوا .
و قال (علیه السلام ):فی الصحیفة الأخری : من لم یستشر
یندم ، و من یستأثر من الأموال یهلک ، و الفقرالموت
الأکبر .
( تحف العقول/ قصاری کلمات امیر
المؤمنین )
إن الامام علی
(علیه السلام ) کان أعلم عصره من بعد وفات رسول الله (
صلی الله علیه و آله ) و کان یقول مرارا "سلونی قبل أن
تفقدونی" و یقول ما هو مضمونه : " أنا أعلم بطرق
السماء من طرق الدنیا " و یقول بأن الرسول الأکرم (ص)
قبیل وفاته قد علمه ألف باب من العلوم یفتح من کل باب
ألف باب أخر و کما یقول الرسول ( ص) : " أنا مدینة
العلم و علی بابها " . ففی بعض کلمات الامام (ع)
اشارات الی علومه الغفیرة التی لا یعلمها غیره فی عصره
و هو ینقل حینا بین حین البعض من کلمات التورات و
الزبور و الانجیل فی خطبه و کلماته مما تطابق علی
القران الکریم و منها هذا الحدیث الشریف .
ففی الحقیقة هذا
الحدیث فیه ما یکفی للإنسان کالدستور فی دنیاه فإذا
یعتقد بقضاء الله تبارک و تعالی فلا یحزنه امور الدنیا
بلغ مابلغ و لا یشکو مما یصیبه من المتاعب و المصائب و
حضرته کان مثیلا لنا حینما یضرب بمسجد الکوفة فی صباح
19 من رمضان عام 40 من الهجرة یقول : " فزت و رب
الکعبة " کما کان الغنی و الفقیر عنده سواء و یحذر
ولاة امره فی البلاد عن التبعیض بین الفقیر و الغنی
کما فی کتابه الی عثمان ابن حنیف و عهده الی مالک ابن
اشتر النخعی حینما ینصبه والیا علی اهل مصر و هو کان
القرآن الناطق لا یقرأ آیة من القرآن الا و قد عمل بها
قبله و لا یعظ الناس بموعظة الا و قد إلتزم بها قبله.
هذا و علی رغم علومه فی الدین و الدنیا و السیاسة کان
یستشیر أصحابه و لا یستبد بما یراه دون الالتفات الی
آراء الآخرین و لا یدخر من الدنیا دینارا و لا درهما و
لا یکنز الذهب و الفضة و یعیش کما یعیش الفقراء و
المساکین و هو کان صهر رسول الله و خلیفته و وصیه و
لکنه یفر عن الفقر و یقوم بالعمل الزراعی فی المدینة
المنورة ثم فی الکوفة أیام أقامته فیها و ذلک فی
حدیقته . وأما إذا نفسر الفقر فی العبارة الأخیرة "
الفقر الموت الأکبر " بفقر الإیمان کما فی بعض
الروایات فهو کان أغنی الناس فی زمانه بل فی جمیع
الأزمنة فی الإیمان و العقیدة و الدین .
1-
« قال جعفربن محمد الصادق(عليه السلام):عجبت لمن فزع
من أربع كيف لا يفزع إلي أربع:عجبت لمن خاف كيف لا
يفزع إلي قوله عزّ و جلّ: «حسبنا الله و نعم الوكيل»
فإنّي سمعت الله جلّ جلاله يقول بعقبها: »فإنقلبوا
بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء» وعجبت لمن إغتمّ
كيف لا يفزع إلي قوله عزّوجلّ « لا إله آلاّ أنت
سبحانك إنّي كنت من الظالمين» فإني سمعت الله عزّ وجلّ
يقول بعقبها: «فإستجبنا له و نجّيناه من الغمّ وكذلك
ننجي المؤمنين» و عجبت لمن مكر به كبف لا يفزع إلي
قوله : «وأفوّض أمري إلي الله إنّ الله بصير بالعباد»
فإنّي سمعت الله جلّ و تقدّس يقول بعقبها:«فوقيه الله
سيّئات ما مكروا» و عجبت لمن أراد الدنيا و زينتها كيف
لا يفزع إلي قوله تبارك و تعالي:«ما شاء الله لاقوة
الّا بالله» فإنّي سمعت الله عزّإسمه يقول بعقبها:«إن
ترن أنا أقلّ منك مالا و ولدا فعسي ربّي أن يؤتين خيرا
من جنّتك» و عسي موجبة.»
إن الذكر و
الدعاء والمناجاة من العبادات و له تأثير علي الجسم
والروح و جميع الخلايا للإنسان و جميع الأجسام و عالم
الكون و المكان. فالأنبياء و الأولياء كانوا يستغلون
الفرص التي كانت بأيديهم في ذكر الله تبارك و تعالي و
لا يغفلون عن الله في آيّ لحظة من أعمارهم.فالذكر كما
ورد في البعض من الروايات، هو دواء للأمراض الجسمية
والروحية بإذن الله تعالي و العرفاء و الذين قضوا
مراحل السير و السلوك إلي الله، هم يهتمّون في كل يوم
ببعض من الأذكار الخاصة لديهم ويكرّّرونها أحيانا مآت
مرة. فعند بعضهم أذكار خاصة، كذكر «ياحيّ و يا قيوم»
أو «بسم الله الرحمن الرحيم» أو ذكر اليونسية وغير
ذلك.
و لكن
الشرط الأساسي في تأثير الذكر علي الجسم و الروح، هو
حضور القلب و عدم التوجه إلي غير الله حينما يذكره
تعالي، فلهذا يقول البعض من الغرفاء بأن الذكر القلبي
أفضل من الذكر اللساني، لأنّ الذاكر حينما يذكر الله
بلسانه،ربّما لا يتوجه بقلبه إلي الله تبارك و تعالي،
و أما إذا يذكر ربّه قلبيا، فلديه توجه إلي الله
و لا يلهيه شيء من الذكر و يلتفت إلي الله بروحه
و في نفسه.علي أي حال الإمام جعفربن محمد الصادق(عليه
السلام) يتعجب من أربعة أشخاص في هذا الحديث الشريف، و
هم إما يخافون، و إما مكرو بهم و إما يغتمّّون و
إما يريدون الدنيا و زينتها فكيف لا يستغيثون إلي الله
و لا يلجئون إلي هذه الأذكار الأربعة لدفع ما يخافون
منه أو ما يمكر به عليهم أو ما يغتمون منه و إما لكسب
الدنيا و زيتنها. فهذه الكلمات الأربعة علي ما ورد في
الحديث، لها تأثير في رفع الحاجات و الآلام الروحية
والجسمية. فالذكر يطمئن الإنسان في حياته كما ورد في
القرآن الكريم « ألابذكر الله تطمئنّ القلوب»
الأذكار الأربعة هي:
لا اله الا انت سبحانک انی کنت من
الظالمین
حسبنا الله و نعم
الوکیل
ما شاءالله لا قوة الا
بالله
و أفوض
أمری الی الله ان الله بصیر بالعباد
« الأفضل
تكرار ها صباح كل ّيوم مأة مرة»