التوسل
و
الاستغاثة
بيان معنى العبادة وأن مجرد
التوسل
والاستغاثة والنداء وطلب ما لم تجر به العادة ليس
شركا
اعلم أنه لا دليل حقيقي يدل على عدم جواز التوسل بالأنبياء والأولياء
في حال الغيبة أو بعد وفاتهم بدعوى أن ذلك عبادة لغير الله، لأنه ليس
عبادة لغير الله مجرد النداء لحيّ أو ميت، ولا مجرد الاستغاثة بغير
الله ، ولا مجرد قصد قبر وليّ للتبرك، ولا مجرد طلب ما لم تجر به
العادة بين الناس، ولا مجرد صيغة الاستغاثة بغير الله تعالى، أي ليس
ذلك شركا ، لأنه لا ينطبق عليه تعريف العبادة عند اللغويين، لأن
العبادة عندهم الطاعة مع الخضوع، قال اللغوي (1) الزجاج وهو من أشهرهم
: " قوله عز وجل { إياك نعبد(5) } معنى العبادة في اللغة الطاعة مع
الخضوع ، ويقال : هذا طريق معبد إذا كان مذللا بكثرة الوطء ، ومعبد إذا
كان مطليا بالقطران ن فمعنى { إياك نعبد(5)} : نطيع الطاعة التي يخضع
معها " اهـ. ونقل هذا عن اللغوي الأزهري (2) وهو من كبارهم ، وقال
مثلهما الفرّاء، وقال بعضهم:" العبادة أقصى غاية الخشوع والخضوع"، وقال
بعض:" نهاية التذلل" كما يفهم ذلك من كلام شارح القاموس مرتضى الزبيدي
خاتمة اللغويين، وهذا الذي يستقيم لغة وعرفا.
مجرد التوسل والاستغاثة ليس شركا
وليس مجرد التذلل عبادة لغير الله وإلا لكفر كل من يتذلل للملوك
والعظماء، وقد ثبت أن معاذ بن جبل لما قدم من الشام سجد لرسول الله صلى
الله عليه وسلم ، فقال الرسول:" ما هذا"؟ فقال: يا رسول الله إني رأيت
أهل الشام يسجدون لبطارقتهم وأساقفتهم، وأنت أولى بذلك، فقال :" لو كنت
ءامرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها"(3)، ولم يقل له
رسول الله صلى الله عليه وسلم كفرت، ولا قال له أشركت مع أن سجوده
للنبي مظهر كبير من مظاهر التذلل. وعن عائشة أن رسول الله صلّى الله
عليه وسلم كان في نفر من المهاجرين والأنصار فجاء بعير فسجد له فقال
أصحابه : يا رسول الله سجد لك البهائم والشجر فنحن أحق أن نسجد لك فقال
: " اعبدوا ربكم وأكرموا أخاكم " رواه أحمد (4) وإسناده جيد . فهؤلاء
الذين يكفّرون الشخص لأنه قصد قبر الرسول أو غيره من الأولياء للتبرك
فهم جهلوا معنى العبادة وخالفوا ما عليه المسلمون، لأن المسلمين سلفا
وخلفا لم يزالوا يزورون قبر النبي ،وليس معنى الزيارة للتبرك أن الرسول
يخلق لهم البركة، بل المعنى أنهم يرجون أن يخلق الله لهم البركة
بزيارتهم لقبره.
احاديث في اثبات جواز التوسل
والدليل على جواز ما قدمنا ما أخرجه البزار (5) من حديث عبد الله بن
عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" إن لله ملائكة سيّاحين في
الأرض سوى الحفظة يكتبون ما يسقط من ورق الشجر فإذا أصاب أحدكم عرجة
بأرض فلاة فليناد : أعينوا عباد الله ". قال الحافظ الهيثمي (6)" رواه
الطبراني ورجاله ثقات " وحسنه الحافظ ابن حجر في أماليه مرفوعا - أي
أنه من قول الرسول- وأخرجه الحافظ البيهقي (7) موقوفا على ابن عباس
بلفظ:" إن لله عز وجل ملائكة سوى الحفظة يكتبون ما سقط من ورق الشجر
فإذا أصاب أحدكم عرجة بأرض فلاة فليناد: أعينوا عباد الله يرحمكم الله
تعالى ". والرواية الأولى تقوي ما ورد بمعناها من بعض الروايات التي في
إسنادها ضعف، وقد تقرر عند علماء الحديث أن الضعيف يعمل به في فضائل
الأعمال والدعوات والتفسير ، كما ذكر الحافظ البيهقي في المدخل .
صحابي توسل و استغاث بالنبي في حضرة عمر ولم ينكر عليه
وروى البيهقي (8) أيضا بإسناد صحيح عن مالك الدار (وكان خازن عمر)
قال:" أصاب الناس قحط في زمان عمر ، فجاء رجل إلى
قبر النبي صلى الله عليه
وسلم فقال: يا رسول الله استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا، فأتاه رسول الله
صلّى الله عليه وسلّم في المنام فقال: إيت عمر فأقرئه مني السلام
وأخبره أنهم يسقون وقل له : عليك بالكيس الكيس، فأتى الرجل عمر فأخبر
عمر فقال :" يا رب ما ءالو إلا ما عجزت" اهـ. وهذا الرجل هو بلال بن
الحرث المزني الصحابي، فهذا الصحابي قد قصد قبر الرسول للتبرك فلم ينكر
عليه عمر ولا غيره.
وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (9) ما نصه:" وروى ابن أبي شيبة
بإسناد صحيح من رواية أبي صالح السمان عن مالك الدار قال : أصاب الناس
قحط في زمن عمر فجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا
رسول الله استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا، فأتي الرجل في المنام فقيل له :
ائت عمر . . . الحديث. وقد روى سيف في الفتوح أن الذي رأى المنام
المذكور هو بلال بن الحارث المزني أحد الصحابة" ا.هـ.
ابن كثير يجيز التوسل
وقال
ابن كثير (10) ما نصه:" وقد روينا أن عمر عسّ المدينة ذات ليلة عام
الرمادة فلم يجد أحدا يضحك ، ولا يتحدث الناس في منازلهم على العادة ،
ولم ير سائلا يسأل ، فسأل عن سبب ذلك فقيل له: يا أمير المؤمنين إن
السؤال سألوا فلم يعطوا فقطعوا السؤال، والناس في همّ وضيق فهم لا
يتحدثون ولا يضحكون. فكتب عمر إلى أبي موسى بالبصرة أن يا غوثاه لأمة
محمد، وكتب إلى عمرو بن العاص بمصر أن يا غوثاه لأمة محمد، فبعث إليه
كل واحد منهما بقافلة عظيمة تحمل البر وسائر الأطعمات ، ووصلت ميرة
عمرو في البحر إلى جدة ومن جدة إلى مكة. وهذا الأثر جيد الإسناد".ا.هـ.
وهذا فيه الرد على
ابن تيمية لقوله إنه لا
يجوز التوسل إلا بالحيّ الحاضر، فهذا عمر بن الخطاب استغاث بأبي موسى
وعمرو بن العاص وهما غائبان.
ثم يقول في الصحيفة التي تليها : وقال سيف بن عمر عن سهل بن يوسف
السلمي عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال: كان عام الرمادة في ءاخر سنة
سبع عشرة وأول سنة ثماني عشرة أصاب أهل المدينة وما حولها جوع فهلك
كثير من الناس حتى جعلت الوحش تأوي إلى الإنس، فكان الناس بذلك وعمر
كالمحصور عن أهل الأمصار حتى أقبل بلال بن الحرث المزني فاستأذن على
عمر فقال: أنا رسول رسول الله إليك، يقول لك رسول الله صلى الله عليه
وسلم :" لقد عهدتك كيسا، وما زلت على ذلك فما شأنك". قال: متى رأيت هذا
؟ قال: البارحة، فخرج فنادى في الناس الصلاة جامعة، فصلى بهم ركعتين ثم
قام فقال: أيها الناس أنشدكم الله هل تعلمون مني أمرا غيره خير منه
فقالوا: اللهم لا. فقال : إن بلال بن الحرث يزعم ذيت وذيت(11). قالوا :
صدق بلال فاستغث بالله ثم بالمسلمين ، فبعث إليهم وكان عمر عن ذلك
محصورا ، فقال: الله أكبر ، بلغ البلاء مدته فانكشف ، ما أذن لقوم في
الطلب إلا وقد رفع عنهم الأذى والبلاء. وكتب إلى أمراء الأمصار أن
أغيثوا أهل المدينة ومن حولها، فإنه قد بلغ جهدهم ، وأخرج الناس إلى
الاستسقاء ، فخرج وخرج معه العباس بن عبد المطلب ماشيا ، فخطب وأوجز
وصلّى ثم جثا لركبتيه وقال: الله إياك نعبد وإياك نستعين ، اللهم اغفر
لنا وارحمنا وارض عنا. ثم انصرف، فما بلغوا المنازل راجعين حتى خاضوا
الغدران.
ثم روى سيف عن مبشر بن الفضيل عن جبير بن صخر عن عاصم بن عمر بن الخطاب
أن رجلا من مزينة عام الرمادة سأله أهله أن يذبح لهم شاة فقال: ليس
فيهن شىء، فألحوا عليه فذبح شاة فإذا عظامها حمر فقال: يا محمداه. فلما
أمسى أري في المنام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له :" أبشر
بالحياة ، ائت عمر فأقرئه مني السلام وقل له : إن عهدي بك وفيّ العهد
شديد العقد فالكيس الكيس يا عمر ". فجاء حتى أتى باب عمر فقال لغلامه:
استأذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأتى عمر فأخبره، ففزع ثم صعد
عمر المنبر فقال للناس : أنشدكم الله الذي هداكم للإسلام هل رأيتم مني
شيئا تكرهونه ؟ فقالوا: اللهم لا ، وعمّ ذاك؟ فأخبرهم بقول المزني -
وهو بلال بن الحرث - ففطنوا ولم يفطن، فقالوا : إنما استبطأك في
الاستسقاء فاستسق بنا ، فنادى في الناس فخطب فأوجز ثم صلى ركعتين فأوجز
ثم قال : اللهم عجزت عنا أنصارنا وعجز عنا حولنا وقوتنا وعجزت عنا
أنفسنا ، ولا حول ولا قوة إلا بك، اللهم اسقنا وأحي العباد والبلاد.
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو نصر بن قتادة وأبو بكر
الفارسي قالا: حدثنا أبو عمرو بن مطر حدثنا إبراهيم بن علي الذهلي،
حدثنا يحيى بن يحيى ، حدثنا أبو معاوية ،عن الأعمش، عن أبي صالح عن
مالك الدار قال: أصاب الناس قحط في زمن عمر بن الخطاب فجاء رجل إلى قبر
النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله استسق الله لأمتك فإنهم
قد هلكوا ، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقال: " ائت
عمر فأقرئه مني السلام وأخبرهم أنهم مسقون وقل له: عليك بالكيس الكيس
"، فأتى الرجل فأخبر عمر فقال:" يا رب ما ءالو إلا ما عجزت عنه ". هذا
إسناد صحيح ".انتهى كلام ابن كثير . وهذا إقرار منه بصحة هذا الحديث من
الحافظ ابن كثير .
الحافظ ولي الدين العراقي شيخ الحافظ ابن حجر يجيز التوسل
قال الحافظ ولي الدين العراقي(12) في شرح حديث : أن موسى قال : رب
أدنني من الأرض المقدسة ومية حجر وان النبي صلّى الله عليه وسلّم قال
:" والله لو أني عنده لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر"
ما نصه:"وفيه استحباب معرفة قبور الصالحين لزيارتها والقيام بحقها، وقد
ذكر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لقبر السيد موسى عليه السلام علامة هي
موجودة في قبر مشهور عند الناس الآن بأنه قبره ، والظاهر أن الموضع
المذكور هو الذي أشار إليه النبيّ عليه الصلاة والسلام ، وقد دل على
ذلك حكايات ومنامات ، وقال الحافظ الضياء : حدثني الشيخ سالم التل قال
: ما رأيت استجابة الدعاء أسرع منها عند هذا القبر ، وحدثني الشيخ عبد
الله بن يونس المعروف بالأرمني أنه زار هذا القبر وأنه نام فرأى في
منامه قبة عنده وفيها شخص أسمر فسلم عليه وقال له : أنت موسى كليم الله
، أو قال : نبي الله ، فقال : نعم ، فقلت : قل لي شيئا ، فأومأ إلي
بأربع أصابع ووصف طولهن ، فإنتبهت فلم أدر ما قال ، فأخبرت الشيخ ذيالا
بذلك فقال : يولد لك أربعة أولاد ، فقلت : أنا تزوجت من امرأة فلم
أقربها ، فقال : تكون غير هذه ، فتزوجت أخرى فولدت لي أربعة أولاد "
انتهى .
ابن تيمية هو اول من منع التوسل
و
ابن تيمية هو أول من منع
التوسل بالنبي عليه السلام كما ذكر ذلك الفقيه علي السبكي في كتابه
شفاء السقام (13) ونص عبارته :" اعلم أنه يجوز ويحسن التوسل والاستعانة
والتشفع بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه سبحانه وتعالى ، وجواز ذلك
وحسنه من الأمور المعلومة لكل ذي دين المعروفة من فعل الأنبياء
والمرسلين وسير السلف الصالحين والعلماء والعوام من المسلمين ، ولم
ينكر أحد ذلك من أهل الأديان ولا سمع به في زمن من الأزمان حتى جاء ابن
تيمية فتكلم في ذلك بكلام يلبس فيه على الضعفاء الأغمار، وابتدع ما لم
يسبق إليه في سائر الأعصار. . . ".اهـ.
كلام بعض اهل العصر ان ابن تيمية في قلبه ضغينة نحو الرسول
قال بعض أهل العصر في كلام له في الرد على ابن تيمية : فسعي ابن
تيمية في منع الناس من زيارته صلى الله عليه وسلم يدل على ضغينة كامنة
فيه نحو الرسول، وكيف يتصور الإشراك بسبب الزيارة والتوسل في المسلمين
الذين يعتقدون في حقه عليه السلام أنه عبده ورسوله وينطقون بذلك في
صلواتهم نحو عشرين مرة في كل يوم على أقل تقدير إدامة لذكرى ذلك ، ولم
يزل أهل العلم ينهون العوام عن البدع في كل شئونهم ويرشدونهم إلى السنة
في الزيارة وغيرها إذا صدرت منهم بدعة في شىء ، ولم يعدّوهم في يوم من
الأيام مشركين بسبب الزيارة أو التوسل ، وكيف وقد أنقذهم الله من الشرك
وأدخل في قلوبهم الإيمان ، وأول من رماهم بالإشراك بتلك الوسيلة هو ابن
تيمية وجرى خلفه من أراد استباحة أموال المسلمين ودماءهم لحاجة في
النفس ، ولم بخف ابن تيمية من الله في رواية عد السفر لزيارة النبي صلى
الله عليه وسلم سفر معصية لا تقصر فيه الصلاة عن الإمام أبي الوفاء بن
عقيل الحنبلي ، وحاشاه عن ذلك- راجع كتاب التذكرة له تجد فيه مبلغ
عنايته لزيارة المصطفى صلى الله عليه وسلم والتوسل به كما هو مذهب
الحنابلة - وإنما قوله بذلك في السفر إلى المشاهد المعروفة بالعراق لما
قارن ذلك من البدع في عهده وفي نظره، وإليك نص عبارته في التذكرة
المحفوظة بظاهرية دمشق: فصل: ويستحب له قدوم مدينة الرسول صلوات الله
عليه فيأتي مسجده فيقول عند دخوله : بسم الله اللهم صلّ على محمد وعلى
ءال محمد، وافتح لي أبواب رحمتك، وكف عني أبواب عذابك، الحمد لله الذي
بلغ بنا هذا المشهد وجعلنا لذلك أهلا ، الحمد لله رب العالمين ، إلى أن
قال: واجعل القبر تلقاء وجهك وقم مما يلي المنبر وقل: السلام عليك أيها
النبي ورحمة الله وبركاته ، اللهم صلّ على محمد وعلى ءال محمد إلى ءاخر
ما تقوله في التشهد الأخير ، ثم تقول: اللهم أعط محمدا الوسيلة
والفضيلة والدرجة الرفيعة والمقام المحمود الذي وعدته، اللهم صلّ على
روحه في الأرواح وجسده في الأجساد كما بلغ رسالاتك وتلا ءاياتك وصدع
بأمرك حتى أتاه اليقين، اللهم إنك قلت في كتابك لنبيك صلى الله عليه
وسلم:{ ولو أنهم إذ ظلموآ أنفسهم جآءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم
الرسول لوجدوا الله توابا رحيما (64)} [ سورة النساء /64) وإني قد أتيت
نبيك تائبا مستغفرا فأسألك أن توجب لي المغفرة كما أوجبتها لمن أتاه في
حياته، اللهم إني أتوجه إليك بنبيك صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة، يا
رسول الله إني أتوجه بك إلى ربي ليغفر لي ذنوبي، اللهم إني أسألك بحقه
أن تغفر لي ذنوبي، اللهم اجعل محمدا أول الشافعي وأنجح السائلين وأكرم
الأولين والآخرين ، اللهم كما ءامنا به ولم نره وصدقناه ولم نلقه
فأدخلنا مدخله واحشرنا في زمرته وأوردنا حوضه واسقنا بكأسه مشربا صافيا
رويا سائغا هنيا لا نظمأ بعده أبدا ، غير خزايا ولا ناكثين ولا مارقين
ولا مغضوبا علينا ولا ضالّين، واجعلنا من أهل شفاعته. ثم تقدم عن يمينك
فقل: السلام عليك يا أبا بكر الصديق، السلام عليك يا عمر الفاروق ،
اللهم أجزهما عن نبيهما وعن الإسلام خيرا ، { ربنا اغفر لنا ولإخواننا
الذين سبقونا بالإيمان } [ سورة الحشر/10] الآية . وتصلي بين القبر
والمنبر في الروضة ، وإن أحببت تمسح بالمنبر وبالحنانة وهو الجذع الذي
كان يخطب عليه صلى الله عليه وسلم فلما اعتزل عنه حنّ إليه كحنين
الناقة. وتأتي مسجد قباء فتصلي لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقصده
فيصلي فيه، وإن أمكنك فأت قبور الشهداء وزرهم وأكثر من الدعاء في تلك
المشاهد حتى كأنك إلى مواقفهم ، واصنع عند الخروج ما صنعت عند الدخول.
ا.هـ.
وابن عقيل هذا من أساطين الحنابلة قال ابن تيمية عن كتابه عمدة الأدلة
له إنه من الكتب المعتمدة في المذهب ، ويقال عن كتابه المسمى بالفنون
إنه في ثمانمائة مجلد.
حديث اخر في جواز التوسل
ومن الدليل أيضا على جواز التوسل بالأنبياء والصالحين حديث أبي سعيد
الخدري الذي حسنه الحافظ ابن حجر في نتائج الأفكار (14) وغيره ، قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إذا خرج الرجل من بيته إلى الصلاة
فقال : اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا، فإني لم
أخرج أشرا ولا بطرا ولا رياء ولا سمعة، خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك
، أسألك أن تنقذني من النار وأن تغفر لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا
أنت ، وكّل الله به سبعين ألف ملك يستغفرون له ، وأقبل الله عليه بوجهه
حتى يقضي صلاته ".
روايات عن السلف في جواز التوسل ينقلها الحافظ البغدادي
قال الحافظ البغدادي(15) وهو الذي قيل فيه : إن المؤلفين في كتب الحديث
دراية عيال على كتبه ، ما نصه :
" أخبرنا القاضي أبو محمد الحسن بن الحسين بن محمد بن رامين الأسترباذي
، قال : أنبأنا أحمد بن جعفر حمدان القطيعي قال : سمعت الحسن بن
إبراهيم أبا علي الخلال يقول : ما همّني أمر فقصدت قبر موسى بن جعفر
فتوسلت به إلا سهل الله تعالى لي ما أحبّ .
أخبرنا إسماعيل بن أحمد الحيري قال: أنبأنا محمد بن الحسين السلمي قال:
سمعت أبا الحسن بن مقسم يقول: سمعت أبا علي الصفار يقول: سمعت إبراهيم
الحربي يقول: قبر معروف الترياق المجرّب. أخبرني أبو إسحق إبراهيم بن
عمر البرمكي قال: نبأنا أبو الفضل عبيد الله بن عبد الرحمن بن محمد
الزهري قال: سمعت أبي يقول: قبر معروف الكرخي مجرّب لقضاء الحوائج،
ويقال: إنه من قرأ عنده مائة مرة { قل هو الله أحد (1)} [ سورة
الإخلاص/1] وسأل الله تعالى ما يريد قضى الله له حاجته.
حدثنا أبو عبد الله محمد بن علي بن عبد
الله الصوري قال: سمعت أبا الحسين محمد بن أحمد بن جميع يقول : سمعت
أبا عبد الله بن المحاملي يقول : أعرف فبر معروف الكرخي منذ سبعين سنة،
ما قصده مهموم إلا فرّج الله همه.
أخبرنا القاضي أبو عبد الله الحسين بن علي بن محمد الصيمري قال: أنبأنا
عمر بن إبراهيم المقري قال: نبأنا مكرم بن أحمد قال: نبأنا عمر بن إسحق
بن إبراهيم قال: نبأنا علي بن ميمون قال: سمعت الشافعي يقول: إني
لأتيرك بأبي حنيفة وأجيء إلى قبره في كل يوم - يعني زائرا- فإذا عرضت
لي حاجة صليت ركعتين وجئت إلى قبره وسألت الله تعالى الحاجة عنده، فما
تبعد عني حتى تقضى.
ومقبرة باب البردان ، فيها أيضا جماعة من أهل الفضل ، وعند المصلّى
المرسوم بصلاة العيد كان قبر يعرف بقبر النذور، ويقال: إن المدفون فيه
رجل من ولد علي بن أبي طالب رضي الله عنه يتبرك الناس بزيارته، ويقصده
ذو الحاجة منهم لقضاء حاجته.
حدثني القاضي أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي قال: حدثني أبي قال:
كنت جالسا بحضرة عضد الدولة ونحن مخيمون بالقرب من مصلى الأعياد في
الجانب الشرقي من مدينة السلام نريد الخروج معه إلى همذان في أول يوم
نزل المعسكر، فوقع طرفه إلى البناء الذي على قبر النذور فقال لي: ما
هذا البناء؟ فقلت : هذا مشهد النذور ولم أقل قبر لعلمي بطيرته من دون
هذا ، واستحسن اللفظة وقال: قد علمت أنه قبر النذور ، وإنما أردت شرح
أمره، فقلت: هذا يقال إنه قبر عبيد الله بن محمد بن عمر بن علي بن
الحسين بن علي بن أبي طالب، ويقال: إنه قبر عبيد الله بن محمد بن عمر
بن علي بن أبي طالب، وإن بعض الخلفاء أراد قتله خفيا ، فجعلت له هناك
زبية وسيّر عليها وهو لا يعلم، فوقع فيها وأهيل عليه التراب حيا، وإنما
شهر بقبر النذور لأنه ما يكاد ينذر له نذر إلا صح وبلغ الناذر ما يريد
ولزمه الوفاء بالنذر، وأنا أحد من نذر له مرارا لا أحصيها كثرة نذورا
على أمور متعذرة، فبلغتها ولزمني النذر فوفيت به، فلم يتقبل هذا القول
وتكلم بما دل أن هذا إنما يقع منه اليسير اتفاقا ، فيتسوق العوام
بأضعافه، ويسيرون الأحاديث الباطلة فيه، فأمسكت، فلما كان بعد أيام
يسيرة ونحن معسكرون في موضعنا استدعاني في غدوة يوم وقال: اركب معي إلى
مشهد النذور ، فركبت وركب في نفر من حاشيته إلى أن جئت به إلى الموضع ،
فدخله وزار القبر وصلى عنده ركعتين سجد بعدهما سجدة أطال فيها المناجاة
بما لم يسمعه أحد ، ثم ركبنا معه إلى خيمته وأقمنا أياما ، ثم رحل
ورحلنا معه يريد همذان ، فبلغناها وأقمنا فيها معه شهورا، فلما كان بعد
ذلك استدعاني وقال لي: ألست تذكر ما حدثتني به في أمر مشهد النذور
ببغداد، فقلت: بلى، فقال: إني خاطبتك في معناه بدون ما كان في نفسي
اعتمادا لإحسان عشرتك، والذي كان في نفسي في الحقيقة أن جميع ما يقال
فيه كذب ، فلما كان بعد ذلك بمدبدة طرقني أمر خشيت أن يقع ويتم، وأعملت
فكري في الاحتيال لزواله ولو بجميع ما في بيوت أموالي وسائر عساكري،
فلم أجد لذلك فيه مذهبا ، فذكرت ما أخبرتني به في النذر لقبر النذور،
فقلت : لما لا أجرّب ذلك، فنذرت إن كفاني الله تعالى ذلك الأمر أن أحمل
إلى صندوق هذا المشهد عشرة ءالاف درهم صحاحا ، فلما كان اليوم جاءتني
الأخبار بكفايتي ذلك الأمر ، فتقدمت إلى أبي القاسم عبد العزيز بن يوسف
- يعني كاتبه - أن يكتب إلى أبي الريان وكان خليفته ببغداد يحملها إلى
المشهد ، ثم التفت إلى عبد العزيز وكان حاضرا، فقال له عبد العزيز: قد
كتبت بذلك ونفذ الكتاب.ا.هـ.
حافظ الشام ابن عساكر ينقل عن مشايخه جواز التوسل
قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر (16):" حدثني الشيخ الصالح الأصيل أبو
عبد الله محمد بن محمد بن عمر الصفار الإسفرايني أن قبر أبي عوانة
بإسفرين (17) مزار العالم ومتبرك الخلق ".اهـ.
وفي هذا مع ما حصل من بلال بن الحرث من قصد قبر الرسول للتبرك
والاستعانة به بيان لما كان عليه السلف والخلف من قصد قبور الأنبياء
والصالحين للتبرك، وأنهم كانوا يرون ذلك عملا حسنا، وفي ذلك نقض زعم
ابن تيمية و
ابن قيم الجوزية أن زيارة
القبر للتبرك شرك، وفي ذلك أيضا بيان واضح أن هذا كان عمل المسلمين بلا
نكير، إنما التشويش على المتبركين جاء من ابن تيمية وأتباعه، ولو
تتبعنا شواهد ذلك من كتب المحدثين وغيرهم لطال الكلام جدا ، وهذا
الحافظ ابن عساكر كانت في عصره شيخ المحدثين في بر الشام كله.
الامام مالك يجيز التوسل
وقد قال الإمام مالك للخليفة المنصور لما حج وزار قبر النبي صلى الله
عليه وسلم وسأل مالكا قائلا :" يا أبا عبد الله أستقبل القبلة وأدعو أم
أستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: ولم تصرف وجهك عنه وهو
وسيلتك ووسيلة أبيك ءادم عليه السلام إلى الله تعالى؟ بل استقبله
واستشفع به فيشفعه الله ". ذكره القاضي عياض في الشفا (18) وساقه
بإسناد صحيح، والسيد السمهودي في خلاصة الوفا، والعلاّمة القسطلاني في
المواهب اللدنية، وابن حجر الهيتمي في الجوهر المنظم ، وغيرهم.
حديث اخر في جواز التوسل
وقد روى البيهقي في دلائل النبوة (19): عن عمر رضي الله عنه قال:" قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لما اقترف ءادم الخطيئة قال: يا رب
أسألك بحق محمد إلا ما غفرت لي، فقال الله عز وجل : يا ءادم كيف عرفت
محمدا ولم أخلقه ، قال: لأنك يا رب لما خلقتني بيدك ونفخت فيّ من روحك
رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبا: لا إله إلا الله محمدا رسول
الله ، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك" الحديث، ورواه
الحاكم (20) وصححه، ووصفه السبكي بأنه جيد(21)، وأخرجه الطبراني في
الأوسط (22)الصغير (23).
البخاري يروي حديثا في جواز التوسل
وروى البخاري في كتاب الأدب المفرد (24) عن عبد الرحمن بن سعد قال:"
خدرت رجل ابن عمر فقال له رجل: اذكر أحب الناس إليك فقال: يا محمد،
فذهب خدر رجله" ا.هـ.
وفي كتاب الحكايات المنثورة للحافظ الضياء المقدسي الحنبلي ، أنه سمع
الحافظ عبد الغني المقدسي الحنبلي يقول: إنه خرج في عضده شىء يشبه
الدمّل فأعيته مداواته ، ثم مسح به قبر أحمد بن حنبل فبرئ ولم يعد إليه
، وهذا الكتاب بخط الحافظ المذكور محفوظ بظاهرية دمشق.
الامام احمد يجيز التوسل
وأخرج أحمد في المسند (25) بإسناد حسن كما قال الحافظ ابن حجر (26) أن
الحرث بن حسان البكري قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم:"
أعوذ بالله ورسوله أن أكون
كوافد عاد". ولفظ الحديث كما في مسند أحمد: حدثنا عبد الله حدثني أبي
ثنا زيد بن الحباب قال حدثني أبو المنذر سلام بن سليمان النحوي قال ثنا
عاصم بن أبي النجود عن أبي وائل عن الحرث بن يزيد البكري (27) قال:
خرجت أشكو العلاء بن الحضرمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمررت
بالربذة فإذا عجوز من بني تميم منقطع بها ، فقالت لي: يا عبد الله إن
لي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجة فهل أنت مبلغي إليه ، قال:
فحملتها فأتيت المدينة فإذا المسجد غاص بأهله ، وإذا راية سوداء تخفق
وبلال متقلد السيف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت : ما
شأن الناس، قالوا: يريد أن يبعث عمرو بن العاص وجها، قال: فجلست، قال:
فدخل منزله أو قال: رحله، فاستأذنت عليه فأذن لي فدخلت فسلمت ، فقال:
هل كان بينكم وبين بني تميم شىء، قال: فقلت نعم، قال: وكانت لنا الدبرة
عليهم، ومررت بعجوز من بني تميم منقطع بها فسألتني أن أحملها إليك، وها
هي بالباب ، فأذن لها فدخلت، فقلت: يا رسول الله إن رأيت أن تجعل بيننا
وبين بني تميم حاجزا فاجعل الدهناء، فحميت العجوز واستوفزت قالت: يا
رسول الله فإلى أين تضطر مضرك؟ قال: قلت إنما مثلي ما قال الأول: معزاء
حملت حتفها، حملت هذه ولا أشعر أنها كانت لي خصما، أعوذ بالله ورسوله
أن أكون كوافد عاد، قال: هيه وما وافد عاد؟ - وهو أعلم بالحديث منه
ولكن يستطعمه - قلت: إن عادا قحطوا فبعثوا وافدا لهم يقال له قيل، فمر
بمعاوية بن بكر فأقام عنده شهرا يسقيه الخمر وتغنيه جاريتان يقال لهما
الجرادتان، فلما مضى الشهر خرج إلى جبال تهامة فنادى: اللهم إنك تعلم
أني لم أجىء إلى مريض فأداويه ولا إلى أسير فأفاديه، اللهم اسق عادا ما
كنت تسقيه، فمرت به سحابات سود فنودي منها اختر، فأومأ إلى سحابة منها
سوداء فنودي منها: خذها رمادا رمددا لا تبقي من عاد أحدا، قال: فما
بلغني أنه بعث عليهم من الريح إلا قدر ما يجري في خاتمي هذا حتى هلكوا
، قال أبو وائل : وصدق، قال: فكانت المرأة والرجل إذا بعثوا وافدا لهم
قالوا: لا تكن كوافد عاد. ا.هـ.
فماذا يقول هؤلاء الجاعلون التوسل بالنبي شركا في إيراد أحمد بن حنبل
لهذا الحديث أيجعلونه مقررا للشرك أم ماذا يقولون؟
الماليكة يجيزون التوسل
قال ابن الحاج المالكي المعروف بإنكاره للبدع في كتابه المدخل (28) ما
نصه : فالتوسل به عليه الصلاة والسلام هو محل حط أحمال الأوزار وأثقال
الذنوب والخطايا لأن بركة شفاعته عليه الصلاة والسلام وعظمها عند ربه
لا يتعاظمها ذنب، إذ إنها أعظم من الجميع ، فليستبشر من زاره ويلجأ إلى
الله تعالى بشفاعة نبيه عليه الصلاة والسلام من لم يزره ، اللهم لا
تحرمنا من شفاعته بحرمته عندك ءامين يا رب العالمين.
ومن اعتقد خلاف هذا فهو المحروم ، ألم يسمع قول الله عز وجل:{ ولو أنهم
إذ ظلموا أنفسهم جآءوك فآستغفروا الله وآستغفر لهم الرسول لوجدوا الله
توابا رحيما (64)}[ سورة النساء ]. فمن جاءه ووقف ببابه وتوسل به وجد
الله توابا رحيما ، لأن الله عز وجل منزه عن خلف الميعاد وقد وعد
سبحانه وتعالى بالتوبة لمن جاءه ووقف ببابه وسأله واستغفر ربه، فهذا لا
يشك فيه ولا يرتاب إلا جاحد للدين معاند لله ولرسوله صلى الله عليه
وسلم ، نعوذ بالله من الحرمان . ا.هـ. كلام ابن الحاج.
حديث ثابت صحيح في جواز التوسل
وأخرج الطبراني في معجميه الكبير (29) والصغير (30) عن عثمان بن حنيف
أن رجلا كان يختلف إلى عثمان بن عفان في حاجة له فكان عثمان لا يلتفت
إليه ولا ينظر في حاجته، فلقي عثمان بن حنيف فشكى إليه ذلك فقال : ائت
الميضأة فتوضأ ثم صلّ ركعتين ثم قل :" اللهم إني أسألك وأتوجه إليك
بنبينا محمد نبي الرحمة ، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي عز وجل لتقضى
لي حاجتي " وتذكر حاجتك ورح حتى أروح معك فانطلق الرجل فصنع ما قال
عثمان له ثم أتى عثمان بن عفان ، فجاء البواب فأخذه بيده فأدخله على
عثمان بن عفان فأجلسه على الطنفسة فقال: ما حاجتك ، فذكر له حاجته
فقضاها له ، ثم قال له: ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة، وقال له:
ما كان لك حاجة فأتنا ، ثم إن الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف
فقال له: جزاك الله خيرا ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت حتى كلّمته
فيّ ، فقال عثمان بن حنيف : والله ما كلّمته ولكن شهدت رسول الله صلى
الله عليه وسلم وقد أتاه ضرير فشكا إليه ذهاب بصره فقال له النبيّ صلى
الله عليه وسلم :" أو تصبر" فقال: يا رسول الله إنه ليس لي قائد وقد شق
علي، فقال له النبي :" ائت الميضئة فتوضأ ثم صلّ ركعتين ثم ادع بهذه
الدعوات "، قال عثمان بن حنيف : فوالله ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتى
دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضر قط. قال الطبراني: والحديث صحيح.
ففيه دليل على أن الأعمى توسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في غير
حضرته ، بل ذهب إلى الميضأة فتوضأ وصلى ودعا باللفظ الذي علمه رسول
الله ، ثم دخل على النبي صلى الله عليه وسلم والنبي لم يفارق مجلسه
لقول راوي الحديث عثمان بن حنيف: فوالله ما تفرقنا وطال بنا المجلس حتى
دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضر قط (31).
فإن قيل: إن الطبراني لم يصحح بقوله:" والحديث صحيح" إلا الأصل وهو ما
حصل بين النبي والأعمى ويسمى مرفوعا ، وأما ما حصل بين عثمان بن حنيف
وذلك الرجل فلا يسمى حديثا لأنه حصل بعد النبي صلى الله عليه وسلم
وإنما يسمى موقوفا.
فالجواب: أن علماء الحديث يطلقون الحديث على المرفوع والموقوف، وقد نص
على ذلك غير واحد منهم كابن حجر العسقلاني (32) وابن الصلاح (33)، وفي
كتاب فتاوى الرملي (34) ما نصه :" سئل عن تعريف الأثر فأجاب : إن تعريف
الأثر عند المحدثين هو الحديث سواء أكان مرفوعا أو موقوفا وإن قصره بعض
الفقهاء على الموقوف"ا.هـ. فدعوى الألباني وبعض تلامذته وحملهم قول
الطبراني :" والحديث صحيح" على ما حصل للأعمى مع رسول الله دون ما حصل
للرجل مع عثمان بن حنيف دعوى باطلة مخالفة لقواعد الاصطلاح.
المناوي يرد على ابن تيمية لانكاره التوسل
ذكر المناوي (35) في حديث:" اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد
نبي الرحمة " ما نصه: " قال ابن عبد السلام : ينبغي كونه مقصورا على
النبي صلى الله عليه وسلم وأن لا يقسم على الله بغيره من الأنبياء
والملائكة والأولياء لأنهم ليسوا في درجته وأن يكون مما خص به، قال
السبكي: يحسن التوسل والاستعانة والتشفع بالنبي إلى ربه ، ولم ينكر ذلك
أحد من السلف ولا الخلف حتى جاء ابن تيمية فأنكر ذلك وعدل عن الصراط
المستقيم وابتدع ما لم يقله عالم قبله وصار بين أهل الإسلام مثلة .اهـ.
جواز التوسل بالاعمال الصالحة يثبت جواز التوسل بالذوات الفاضلة
ومما يدل على جواز التوسل أيضا ما رواه البخاري (36) ومسلم (37) عن أبي
عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال: سمعت رسول
الله صلى الله عليه وسلم يقول :" انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم حتى
أواهم المبيت إلى غار فدخلوه فانحدرت صخرة من الجبل فسدّت عليهم الغار
فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم
، قال رجل منهم: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران وكنت لا أغبق قبلهما
أهلا ولا مالا، فنأى بي طلب الشجر يوما فلم أرح عليهما حتى ناما، فحلبت
لهما غبوقهما (38) فوجدتهما نائمين فكرهت أن أوقظهما وأن أغبق قبلهما
أهلا أو مالا ، فلبثت والقدح على يديّ أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر
والصبية يتضاغون عند قدمي، فاستيقظا فشربا غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت
ذلك ابتغاء وجهك ففرّج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة ، فانفرجت شيئا لا
يستطيعون الخروج منه"، الحديث. فإذا كان التوسل بالعمل الصالح جائزا
فكيف لا يصح بالذوات الفاضلة كذوات الأنبياء ، فهذا يكفي دليلا لو لم
يكن دليل سواه للتوسل بالأنبياء والأولياء.
الامام احمد يجيز التوسل
وذكر المرداوي الحنبلي أيضا في كتاب الإنصاف (39) تحت عنوان فوائد ما
نصه:" ومنها( أي ومن الفوائد) يجوز التوسل بالرجل الصالح على الصحيح من
المذهب وقيل يستحب" اهـ. فماذا يقول هؤلاء عن المذهب الحنبلي الذي قرر
أن التوسل بالنبي بعد موته سنة على رأي ، وجائز فقط على رأي فهل يكفرون
الحنابلة؟ وما معنى اعتزاز هؤلاء بأحمد مع أن أحمد في واد وهم في واد
ءاخر؟ وقد قال الإمام أحمد للمروالروذي (40):" يتوسل- أي الداعي عند
القحط وقلة المطر أو انقطاعه - بالنبي صلى الله عليه وسلم في دعائه"
اهـ.
وفي كتاب إتحاف السادة المتقين (41) بشرح إحياء علوم الدين ما نصه:"
وكان صفوان بن سليم المدني أبو عبد الله ، وقيل أبو الحارث القرشي
الزهري الفقيه العابد وأبوه سليم مولى حميد بن عبد الرحمن بن عوف قال
أحمد: هو يستسقى بحديثه وينزل القطر من السماء بذكره ، وقال مرة: هو
ثقة من خيار عباد الله الصالحين ، قال الواقدي وغيره مات سنة واثنتين
وثلاثين عن اثنتين وسبعين سنة ا.هـ. أي أنه توفي قبل أن يولد الإمام
أحمد. فهذا احمد لم يقل يستسقى بدعائه كما يقول ابن تيمية إن التوسل
بدعاء الشخص لا بذاته ولا بذكره ، بل جعل أحمد سببا لنزول المطر ، فمن
أين تحريم ابن تيمية للتوسل بالذوات الفاضلة؟
الشافعية يجيزون التوسل
وفي فتاوى شمس الدين الرملي (42) ما نصه :" سئل عما يقع من العامة من
قولهم عند الشدائد: يا شيخ فلان، يا رسول الله ، ونحو ذلك من الاستغاثة
بالأنبياء والمرسلين والأولياء والعلماء والصالحين فهل ذلك جائز أم لا؟
وهل للرسل والأنبياء والأولياء والصالحين والمشايخ إغاثة بعد موتهم ؟
وماذا يرجح ذلك؟
فأجاب: بأن الاستغاثة بالأنبياء والمرسلين والأولياء والعلماء
والصالحين جائزة ، وللرسل والأنبياء والأولياء والصالحين إغاثة بعد
موتهم، لأن معجزة الأنبياء وكرامات الأولياء لا تنقطع بموتهم، أما
الأنبياء فلأنهم أحياء في قبورهم يصلون ويحجون كما وردت به الأخبار
وتكون الإغاثة منهم معجزة لهم، وأما الأولياء فهي كرامة لهم فإن أهل
الحق على أنه يقع من الأولياء بقصد وبغير قصد أمور خارقة للعادة يجريها
الله تعالى بسببهم"ا.هـ. أما قوله:
" ويحجون" فإنه لم يثبت في السنة .
الحنفية يجيزون التوسل
قال نور الدين ملا علي القاري في شرح المشكاة ما نصه: قال شيخ مشايخنا
علامة العلماء المتبحرين شمس الدين بن الجزري في مقدمة شرحه للمصابيح :
إني زرت قبره بنيسابور (يعني مسلم بن الحجاج القشيري) وقرأت بعض صحيح
علي سبيل التيمن و
التبرك عند قبره ورأيت
ءاثار البركة ورجاء الإجابة في تربته.ا.هـ.
فإن قيل: أليس في حديث :" إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث"
دلالة على أن الميت لا ينفع غيره.
فالجواب: أنه ليس في الحديث الذي رواه ابن حبان (43) :" إذا مات
الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد
صالح يدعو له" دلالة على أن الميت لا ينفع غيره، إذ إن الحديث نفى
استمرار العمل التكليفي الذي يتجدد به للميت ثواب، أما أن ينفع غيره
فغير ممنوع بدليل أن سيدنا موسى صلى الله عليه وسلم قال لمحمد عليه
الصلاة والسلام في حديث المعراج :" ارجع فسل ربك التخفيف" (44)، وهذا
نفع كبير لأمة محمد كان بعد موت موسى بسنين عديدة.
توسل سيدنا عمر بالعباس
فإن قيل : أليس في توسل عمر بالعباس (45) بعد موت النبي ما يدل على أنه
لا يتوسل بالنبي بعد موته.
فالجواب : أن توسل عمر بالعباس بعد موت النبي ليس لأن الرسول قد مات بل
كان لأجل رعاية حق قرابته من النبي صلى الله عليه وسلم، بدليل قول
العباس حين قدمه عمر: اللهم إن القوم توجهوا بي إليك لمكاني من نبيك"،
روى هذا الأثر الزبير بن بكار.
وروى الحاكم (46) أيضا أن عمر رضي الله عنه خطب الناس فقال:" أيها
الناس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرى للعباس ما يرى الولد
لوالده، يعظمه ويفخمه ويبر قسمه، فاقتدوا أيها الناس برسول الله صلى
الله عليه وسلم في عمه العباس واتخذوه وسيلة إلى الله فيما نزل بكم"،
وهذا يوضح سبب توسل عمر بالعباس.
وأيضا فإت ترك الشىء لا يدل على منعه كما هو مقرر في كتب الأصول، فترك
للتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم لا دلالة فيه أصلا على منع التوسل
إلا بالحي الحاضر، وقد ترك النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا من المباحات
فهل دل تركه لها على حرمتها؟
وقد أراد سيدنا عمر بفعله ذلك أن يبين جواز التوسل بغير النبي صلى
الله عليه وسلم من أهل الصلاح ممن ترجى بركته، ولذا قال الحافظ في
الفتح(47) عقب هذه القصة ما نصه:" يستفاد من قصة العباس استحباب
الاستشفاع بأهل الخير والصلاح وأهل بيت النبوة"ا.هـ.
جواب عن احتجاج الوهابية بحديث لمنع التوسل
فإن قيل: أليس في حديث ابن عباس الذي رواه لترمذي (48) " إذا سألت
فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله" ما يدل على عدم جواز التوسل بغير
الله؟
فالجواب: أن هذا ليس فيه معارضة ما ذكرنا إذ إن المتوسل يسأل الله ،
والحديث ليس معناه لا تسأل غير الله ولا تستعن بغير الله، إنما معناه
أن الأولى بأن يسأل ويستعان به هو الله تعالى، نظير ذلك قوله صلى الله
عليه وسلم:" لا تصاحب إلا مؤمنا، ولا يأكل طعامك إلا تقي" رواه ابن
حبان (49) ، فكما لا يفهم من هذا الحديث عدم جواز صحبة غير المؤمن وعدم
جواز إطعام غير التقي وإنما يفهم منه أن الأولى بالصحبة المؤمن
وبالإطعام التقي ، كذلك حديث ابن عباس لا يفهم منه إلا الأولوية ، كما
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقل لا تسأل غير الله ولا تستعن
بغير الله، أليس هناك فرق بين أن يقال: لا تسأل غير الله وبين أن يقال:
إذا سألت فاسأل الله؟
الحافظ ابن حجر يجيز التوسل بالنبي.
قال الحافظ ابن حجر في قصائده المسماة النيرات السبع :
يا سيد الرسل الذي منهاجه حاو كمال الفضل والتهذيب
الى أن قال:
فاشفع لمادحك الذي بك يتقي أهوال يوم الدين والتعذيب
فلأحمد بن علي الأثري في مأهول مدحك نظم كل غريب
قد صح أن ضناه زاد وذنبه أصل السقام وانت خير طبيب
ثم قال في قصيدة أخرى :
يا سيدي يا رسول الله قد شرُفت قصائدي بمديح فيك قد رصفا
الى أن قال :
بباب جودك عبد مذنب كلف يا أحسن الناس وجها مشرقا ووقفا
بكم توسل يرجو العفو عن زلل من خوفه جفنه الهامي لقد ذرفا
وإن يكن نسبة بعزى الى حجر فطالما فاض عذبا طيبا وصفا
ثم قال في قصيدة أخرى :
اصدح بمدح المصطفى واصدع به قلب الحسود ولا تخف تفنيدا
واقصد له واسأل به تعط المنى وتعيش مهما عشت فيه سعيدا
خير الأنام ومن لجا لجنابه لا بدع أن أضحى به مسعودا
ثم قال في قصيدة أخرى:
فما تبلغ الأشعار فيه ومدحه به ناطق نص الكتاب وناقل
الى أن قال:
ولي إن توسلت الهناء بمدحه لأني مستجد هناك وسائل
ثم قال في قصيدة أخرى:
فإن أحزن فمدحك لي سروري وإن أقنط فحمدك لي رجائي
ثم قال في قصيدة أخرى:
نبي براه الله أشرف خلقه وأسماه إذا سماه في الذكر أحمدا
فرج نداه إنه الغيث في الندى وخف من سطاه إنه الليث في العدا
ثم قال في قصيدة أخرى:
وإن قنطت من العصيان نفس فباب محمد باب الرجاء
وذكر الحافظ السخاوي(50) أن الشمس محمد بن علي القوصي الشافعي أرسل معه
رسالة ليقرأها السخاوي لسيد المرسلين لكن لم يتوفق للسخاوي تبليغها إلا
بعد موته جاء فيها:
عسى تبلغ الآمال منه بنظرة إلي فإن يفعل بفوز ألاقه
وهكذا يتبين لكل منصف ان التوسل جائز وان الوهابية فرقة شذت عن
المسلمين وحرمت التوسل. التوسل جائز رغما عن انوف الوهابية.
--------------------------------------------------
(1) تفسير القرءان للزجاج
(2) تهذيب اللغة (2/234).
(3) أخرجه البيهقي في سننه (7/291، 292) وأخرجه ابن ماجه في سننه :
كتاب النكاح : باب حق الزوج على المرأة ، وقال الحافظ البوصيري في
المصباح (1/324): رواه ابن حبان في صحيحه . وقال السندي: كأنه يريد أنه
صحيح الإسناد.اهـ. وانظر الإحسان (6/186-187).
(4) مسند احمد (6/76)
(5) كشف الأستار عن زوائد البزار (4/34).
(6) مجمع الزوائد (10/132).
(7) شعب الإيمان (1/445).
(8) انظر البداية والنهاية (7/ 91-92)
(9) فتح الباري شرح صحيح البخاري (2/495-496)
(10) البداية والنهاية (7/90).
(11) معناه كيت و كيت.
(12) طرح التثريب (ص/160)
(13) شفاء السقام (ص/160).
(14) نتائج الأفكار في تخريج أحاديث الأذكار .( مخطوط).
(15) تاريخ بغداد (1/122-125)
(16) وفيات الأعيان (6/394)
(17) بُليدة حصينة من نواحي نيسابور ، معجم البلدان(1/177)
(18) الشفا بتعريف حقوق المصطفى (2/92- 93).
(19) دلائل النبوة (5/489).
(20) مستدرك الحاكم ، كتاب التاريخ (2/615).
(21) انظر شفاء السقام ص/163.
(22) عزاه له الهيثمي في مجمع الزوائد (8/253) وقال: وفيه من لم أعرفهم
.
(23) المعجم الصغير (ص/355).
(24) الأدب المفرد (ص/324).
(25) مسند أحمد ( 3/ 481- 452).
(26) فتح الباري (8/579)
(27) الحارث بن حسان البكري ويسمى الحارث بن يزيد البكري كما في
الإصابة للحافظ ابن حجر العسقلاني.
(28) المدخل (1/259-260)
(29) المعجم الكبير (9/17- 18).
(30) المعجم الصغير (ص/201- 202).
(31) المعجم الكبير للطبراني (9/17- 18)، والمعجم الصغير له أيضا، (
ص/201- 202). قال الطبراني : والحديث صحيح.
(32) تدريب الراوي (1/42).
(33) مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث (ص/23).
(34) فتاوى الرملي بهامش الفتاوى الكبرى لابن حجر الهيتمي (4/ 371).
(35) فيض القدير (2/134).
(36) صحيح البخاري: كتاب البيوع: باب إذا اشترى شيئا لغيره بغير إذنه
فرضي.
(37) صحيح مسلم: كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار: باب قصة أصحاب
الغار الثلاثة ، والتوسل بصالح الأعمال.
(38) الغبوق: الطعام الذي يكون في النصف الأخير من النهار كالذي يؤكل
العصر.
(39) الإنصاف (2/456).
(40) الإنصاف (2/456).
(41) إتحاف السادة المتقين (10/130).
(42) فتاوى الرملي بهامش الفتاوى الكبرى لابن حجر الهيتمي(4/382).
(43) صحيح ابن حبان ، فصل في الموت وما يتعلق به من راحة المؤمن وبشراه
وروحه وعمله مالثناء عليه ، انظر الإحسان (5/9).
(44) صحيح مسلم: كتاب الإيمان: باب الإسراء برسول الله صلى الله عليه
وسلم إلى السماوات وفرض الصلوات.
(45) صحيح البخاري ، كتاب فضائل الصحابة: باب ذكر العباس بن عبد
المطلب.
(46) مستدرك الحاكم، كتاب معرفة الصحابة(3/334) من حديث داود بن عطاء
المدني عن زيد بن أسلم عن ابن عمر. قال الذهبي في التلخيص : هو في جزء
البانياسي بعلو، وصح نحوه من حديث أنس، فأما داود فمتروك. قلت : تابعه
عليه هشام بن سعد أخرجه البلاذري من طريقه عن زيد بن أسلم عن أبيه عن
عمر، انظر الفتح
(2/497)
(47) فتح الباري (2/497)
(48) جامع الترمذي: كتاب صفة القيامة والرقائق والورع : باب (59) . قال
الترمذي : هذا حديث حسن صحيح .
(49) صحيح ابن حبان : كتاب البر والاحسان : باب الصحبة والمجالسة ،
راجع الإحسان (1/383-385)
(50) وجيز الكلام في الذيل على دول الإسلام (2/777)
http://www.sunna.info/islamic/tawassul_istighatha.php
1- ما هي العبادة عند اللغويين ؟
العبادة عِنْدَ اللُّغَوِيّيْنَ الطاعة معَ الخضوع.قالَ الأَزْهَرِيُّ
الذي هُوَ أحَدُ كِبارِ اللُّغَوِيّيْنَ في كتَابِ تَهذِيبِ اللُّغَةِ
نَقْلاً عَن الزَّجَّاجِ الذي هوَ مِنْ أشْهَرِهِم: العبادة في لُغَةِ
العَربِ الطاعة مَعَ الخضوع، وقالَ مثلَهُ الفَرّاءُ كما في لسانِ
العَرَبِ لابنِ منظور. وقَالَ بَعْضُهُم: أقْصَى غَايَةِ الخشوع
والخضوع، وقالَ البَعْضٌ: نِهَايةُ التذلل كَما يُفْهَم ذَلكَ مِن
كَلامِ شَارحِ القَاموسِ مُرتَضى الزَّبيدِيّ خَاتِمَةِ اللّغَوِيّين،
وهَذا الذي يَسْتَقِيمُ لُغَةً وعُرْفًا.
2- ما الدليل على أن مجرد التذلّل ليس عبادة لغير الله؟
مُجَردُ التذلل لَيْسَ عبادة لِغَيرِ الله وإلا لَكَفَر كُلُّ مَن
يتذلل لِلْمُلُوكِ والعُظَماءِ. وَقَد ثبَتَ أنَّ مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ
لمَّا قَدِمَ مِنَ الشَّامِ سجد لِرَسُولِ الله صلى الله عليه و سلم،
فَقالَ الرَّسُولُ: "مَا هَذَا" فَقالَ: يَا رَسُولَ الله إنّي رَأَيتُ
أهْلَ الشّام يسجدون لبَطارِقَتِهم وأسَاقِفتهم وأنتَ أوْلَى بذَلِكَ،
فَقَالَ: "لا تَفْعَلْ، لَو كُنْتُ ءامرُ أَحدًا أَن يَسْجُدَ لأحَدٍ
لأمَرتُ المَرأةَ أنْ تسْجُدَ لِزَوْجِها"، رَواهُ ابنُ حِبّانَ وابنُ
مَاجَه وغَيْرُهُما. ولَم يَقُلْ لهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
كفَرْتَ، ولا قالَ لهُ أشْرَكْتَ مَع أنَّ سجُودَهُ للنَّبِي مَظْهَرٌ
كَبِيرٌ مِنْ مَظاهِرِ التذلل.
3- ما هو التوسل؟
التوسل هو طَلَبُ حصولِ منفعة أو اندفاعِ مضرة من الله بِذِكرِ اسم
نبيّ أو ولي إكراما للمتوسل به.
4- ما معنى قوله تعالى {وابتغوا إليه الوسيلة}؟
قال تعالى: {وابتغوا إليه الوسيلة} [سورة المائدة] أي كلّ شىءٍ
يُقربكم إليه اطلبوهُ يعني هذه الأسباب، اعملوا الأسباب فنحقّقُ لكم
المسببات، نحقّقُ لكم مطالبكم بهذهِ الأسبابِ، وهو قادرٌ على تحقيقِها
بدونِ هذه الأسباب.
5- لمَ نقول " اللهم إني أسألك بجاه رسول الله أو بحرمة رسول الله أن
تقضي حاجتي وتفرّج كربتي" ؟
جَعَلَ الله سبحانه وتعالى من الأسباب المعينة لنا لتحقيق مطالب لنا،
التوسل بالأنبياء والأولياء في حال حياتهم وبعد مماتهم، فنحنُ نسأل
الله بهم رجاء تحقيق مطالبنا، فنقول: اللهم إني أسألك بجاه رسول الله
أو بحرمة رسول الله أن تقضي حاجتي وتفرج كربي، أو نقول: اللهم بجاه عبد
القادر الجيلاني ونحو ذلك، فإن ذلك جائز وإنما حرم ذلك الوهابية فشذوا
بذلك عن أهل السنة.
6- ما معنى قوله تعالى {إيَّاك نعبد}؟
قالَ إمام اللغويينَ، الذين ألَّفوا في لغةِ العَرب، الفرَّاءُ:
العبادة الطاعة مع الخضوع وبهذا فسَّروا قوله تعالى:{إيَّاك نعبُدُ} أي
نطيعُكَ الطّاعَةَ التي مَعَها الخضوع، والخضوع معناهُ التذلل.
7- اذكر دليلاً على جواز التوسل؟
من الأدلّةِ على جواز التوسل الحديثُ الذي رواهُ الطبرانيُّ وصحَّحَهُ
والذي فيه أن الرسولَ صلى الله عليه وسلم عَلَّم الأعمى أن يتوسل به
فذهَبَ فتوسل به في حالة غيبته وعادَ إلى مجلس النبي وقد أَبصر، وكانَ
مما علّمَهُ رسولُ الله أن يقول: "اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك
محمد نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي (ويسمي حاجته)
لتقضى لي".
8- ما هو الحديث الذي يدل على جواز التوسل بغير الحي الحاضر؟
التوسل بالأنبياء والأولياء جائز في حال حضرتهم وفي حال غيبتهم،
ومناداتهم جائزة في حال غيبتهم وفي حال حضرتهم كما دل على ذلك الأدلة
الشرعية.
ومن الأدلة على جواز التوسل الحديث الذي رواه الطبراني وصححه والذي
فيه أن الرسول صلى الله عليه وسلم علم الأعمى أن يتوسل به فذهب فتوسل
به في حالة غيبته وعاد إلى مجلس النبي وقد أَبصر، وكان مما علمه رسول
الله أن يقول: "اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا
محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي (ويسمي حاجته) لتقضى لي".
فبهذا الحديث بطل زعمهم أنه لا يجوز التوسل إلا بالحي الحاضر، لأن
هذا الأعمى لم يكن حاضرا في المجلس حين توسل برسول الله بدليل أن راوي
الحديث عثمان بن حنيف قال لما روى حديث الأعمى: "فوالله ما تفرقنا ولا
طال بنا المجلس حتى دخل علينا الرجل وقد أَبصر".
فمن قوله: "حتى دخل علينا"، علمنا أن هذا الرجل لم يكن حاضرا في المجلس
حين توسل برسول الله.
9- ما الدليل على جواز التوسل برسول الله بعد وفاته؟
الدليل على جواز التوسل برسول الله بعد وفاته فيؤخذ أيضا من حديث
عثمان بن حنيف الذي رواه الطبراني وصححه فإن فيه أنه علم رجلا هذا
الدعاء الذي فيه توسل برسول الله لأنه كان له حاجة عند سيدنا عثمان بن
عفان في خلافته وما كان يتيسر له الاجتماع به حتى قرأ هذا الدعاء،
فتيسر أمره بسرعة وقضى له سيدنا عثمان بن عفان حاجته.
10- ما الدليل على جواز زيارة قبور الأنبياء والأولياء وبطلان دعوى
ابن تيمية أن هذه الزيارة شركية؟
هؤلاء الذين يكفرون الشخص لأنه قصد قبر الرسول أو غيره من الأولياء
للتبرك فهم جهلوا معنى العبادة، وخالفوا ما عليه المسلمون، لأن
المسلمين سلفا وخلفا لم يزالوا يزورون قبر النبي، وليس معنى الزيارة
للتبرك أن الرسول يخلق لهم البركة بل المعنى أنهم يرجون أن يخلق الله
لهم البركة بزيارتهم لقبره. والدليل على ذلك ما رواه البيهقي بإسْنادٍ
صَحِيح عن مالك الدار وكانَ خازن عمر قال: أصاب الناس قحط (أي وَقَعت
مَجاعَةٌ، تِسْعَةَ أشْهُرٍ انقَطعَ المطَرُ عَنْهُم) في زمان عمر (أي
في خِلافَتِه) فجاء رجل (أي مِنَ الصّحابةِ) إلى قبر النبي صلى الله
عليه وسلم فقالَ: يا رسول الله استسق لأمتك فَإنَّهُم قَدْ هلكوا فأتي
الرجل في المنام (أي أُرِيَ في المنام أن رسول الله يكلّمه) فقيل له:
أقرىء عمر السلامَ (أي سلّم لي عليه) وأخبره أنَّهُم يسقون،وقُلْ لَهُ:
عَليكَ الكيس الكيس .فأتى الرجل عمر فأَخْبرَهُ، فبكى عمر وقَالَ: يا
رب مَا ءالوا إلا ما عجزت.وقَد جاءَ في تَفْسِيرِ هذَا الرجل أنّهُ
بلال بن الحارث المزني الصحابي. فهذَا الصحابي قد قصد قبر الرسول
للتبرك فَلَم ينكر علَيهِ عمر ولا غَيْرُهُ فَبطَلت دَعْوى ابن تيمية
أنَّ هذهِ الزيارة شركية.
11- ما معنى قول الصحابي:"يا رسول الله استسق لأمتك فأنهم قد هلكوا" ؟
معناهُ اطلُب منَ الله المَطَرَ لأُمّتِكَ فَإنَّهُم قَدْ هَلَكُوا.
12- ما معنى ما جاء في الحديث:" : أقْرِىء عُمرَ السَّلامَ وأخْبِرْهُ
أنَّهُم يُسْقَوْنَ" ؟
أي سلّم لي عليه وأخْبِرْهُ أنَّهُم سَيأْتيْهِم المَطَرُ، ثم سَقَاهُم
الله تعالى حتَّى سُمِّيَ ذلكَ العامُ عام الفتق مِنْ شِدَّةِ ما ظهَرَ
منَ الأعْشَابِ وسَمِنَتِ المواشِي حتّى تَفتَّقَتْ بالشَّحْمِ.
13- ما معنى قول الرسول :"عليك الكيس الكيس" ؟
أي عَليكَ بالاجْتِهادِ بالسَّعْي في خِدْمَةِ الأُمَّةِ.
14- ما معنى قول عمر :"يا رب ما ءالوا إلا ما عجزت" ؟
أي لا أُقَصِّرُ إلا ما عَجَزْتُ، أي سَأفْعَلُ مَا في وُسْعِي
لخدْمَةِ الأُمَّةِ.
15- ما الرد على قول بعض الوهابية "إن مالك الدار مجهول" ؟
قول بعض الوهابية إن مالك الدار مجهول يرده أن عمر لا يتخذ خازنا إلا
خازنا ثقة.
16- ما الرد على بعض الوهابية في محاولتهم تضعيف حديث مالك الدار وكان
خازن عمر؟
محاولتهم لتضعيف هذا الحديث بعدما صححه الحافظ ابن حجر لغوٌ لا يُلتفت
إليه. ويقال لهذا المدعي: لا كلام لك بعد تصحيح أهل الحفظ أنت ليس لك
في اصطلاح أهل الحديث حق. على أن التصحيح والتضعيف خاص بالحافظ وأنت
تعرف نفسك أنك بعيد من هذه المرتبة بعد الأرض من السماء.
س: ما الرد على قول الوهابية "إن الاستغاثة بالرسول بعد وفاته شرك"
؟
رَوى البيهقي بإسناد صَحِيح عن مالك الدار وكانَ خازن عمر قالَ: أصاب
الناس قحط في زمان عمر فجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم
فقال: يا رسول الله استسق لأمتك فَإنَّهُم قَدْ هلكوا فأتي الرجل في
المنام فقِيْلَ لَهُ: أقرىء عمر السلام وأخبره أنهم يسقون، وقُلْ لَهُ:
عليك الكيس الكيس. فأَتَى الرجل عمر فأَخْبرَهُ، فَبكَى عمر وقَالَ: يا
رَبّ مَا ءَالُو إلا مَا عَجَزْتُ. وقَد جاءَ في تَفْسِيرِ هذَا الرجل
أنّهُ بلال بن الحارث المزني الصحابي. فما حصل من هذا الصحابي استغاثة
وتوسل. وبهذا الأثر يبطل أيضًا قول الوهابية إن الاستغاثة بالرسول بعد
وفاته شرك.
17- ماذا قال الحافظ تقي الدين السبكي عن التوسل والاستغاثة والتوجه
والتجوه ؟
قال الحافظ الفقيه اللغوي تقي الدين السبكي إن التوسل والاستغاثة
والتوجه والتجوه بمعنى واحد ذكر ذلك في كتابه شفاء السقام الذي ألَّفه
في الرد على ابن تيمية بإنكاره سنية السفر لزيارة قبر الرسول وتحريمه
قصر الصلاة في ذلك السفر.
18- ما الدليل على استحباب معرفة قبور الصالحين لزيارتها والقيام
بحقها ؟
قَالَ الحافظ ولي الدين العراقي في حديث أبي هريرة أنَّ موسى قالَ: "رب
أدنني من الأرض المقدسة رمية بحجر"، وأنَّ النّبيَّ صلى الله عليه وسلم
قالَ: "والله لَو أني عنده لأريتكم قبره إلى جنب الطريق عند الكثيب
الأحمر": فيهِ استحباب معرفة قبور الصالحين لزيارتها والقيام بحقها.
اهـ.
فيفهمُ من قول رسول الله عن قبر موسى عليه السلام "والله لو أني عنده
لأريتكم قبره إلى جنب الطريق عند الكثيب الأحمر" والذي هو قرب أريحا
الإشارة إلى أن زيارة قبور الأنبياء والصالحين للتبرك بهم مطلوبة وعلى
هذا كانَ الأكابر وعلى ذلك نصوا.
19- ماذا يستحب أن يقال عند زيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
وقد ذَكَرَ الإمام أبو الوفاء بن عقيل الحنبلي الذي هو من أعمدة المذهب
الحنبلي أنه مما يستحب قوله عند زيارة قبر رسول الله صلى الله عليه
وسلم: "اللهم إنك قلت في كتابك لنبيك صلى الله عليه وسلم:{ولو أنَّهم
إذ ظلموا أنفسَهم جاءوك فاستغفروا اللهَ واستغفرَ لهم الرسولُ لوجدوا
اللهَ توابًا رحيمًا} [سورة النساء]، وإني قد أتيت نبيك تائبا مستغفرا
فأسألكَ أن توجب لي المغفرةَ كما أوجَبتَهَا لمن أتاه في حياته، اللهم
إني أتوجه إليك بنبيك صلى الله عليه وسلم نبي الرحمةِ، يا رسول الله
إني أتوجه بك إلى ربي ليغفر لي ذنوبي"، فبعد هذا كيف يقول بعضهم إن
زيارة قبر النبي للتبرك به والتوسل به زيارة شركية، فما أَبعد هؤلاء عن
الحق.
20- ماذا قال الحافظ سراج الدين بن الملقن عن قبر معروف الكرخي؟
إنَّ أحدَ حفاظ الحديث واسمه الحافظ سراج الدين بن الملقن هذا توفي بعد
ابن تيمية بنحو ستين سنة وهو من الفقهاء الشافعيين ذَكَرَ عن نفسِهِ في
كتابِهِ طبقات الأولياء وهو كتاب يذكر فيه تراجم أولياء من السلف
والخلف فقال: "ذهبت إلى قبر معروف الكرخي وقفت ودعوت الله عدة مرات،
فالأمر الذي كان يصعب علي ينقضي لما أدعو الله هناك عند قبره"، هذا
معروف الكرخي من الأولياء البارزين المشهورين في بغداد، معروف عند
العامة والخاصة، يقصدون قبره للتبرك.
21- ماذا جاء عن الحسن بن إبراهيم الخلال في أمر التوسل والزيارة؟
ذكرَ الحافظ الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد عن الحسن بن إبراهيم
الخلال أنه قال: "ما همني أمر فقصدت قبر موسى بن جعفر فتوسلت به إلا
سهل الله تعالى لي ما أحب" اهـ.
22- ماذا قال إبراهيم الحربي عن قبر معروف الكرخي؟
ذكرَ الحافظ الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد عن بعض أكابر السلف ممن
كان في زمن الإمام أحمد بن حنبل واسمه إبراهيم الحربي أبو إسحق وكان
حافظا فقيها مجتهدا يشبه بأحمد بن حنبل، وكان الإمام أحمد يرسل ابنه
ليتعلم عنده الحديث أنه قالَ: "قبر معروف الترياق المجرب"، والترياق هو
دواء مركب من أجزاء وهو معروف عند الأطباء القدامى من كثرةِ منافِعِهِ،
وهو عندهم أنواع، شبه الحربي قبر معروف بالترياق في كثرةِ الانتفاع
فكأنَّ الحربي قال: أيها الناس اقصدوا قبر معروف تبركا به من كثرة
منافعه.
23- ماذا قال عبيد الله بن عبد الرحمن بن محمد الأزهري عن قبر معروف
الكرخي؟
ذكرَ الحافظ الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد عن عبيد الله بن عبد
الرحمن بن محمد الزهري أنه قال: سمعت أبي يقول: "قبر معروف الكرخي مجرب
لقضاء الحوائج، ويقالُ: إنه مَن قَرَأَ عندَهُ مائةَ مرَّةٍ: {قُل هوَ
اللهُ أحَد} (سورة الإخلاص/1) وسَأَلَ الله تعالى ما يريد قضى الله له
حاجته".
24- ماذا قال أبو عبد الله المحاملي عن قبر معروف الكرخي؟
ذكرَ الحافظُ الخطيبُ البغداديُّ في تاريخِ بغدادَ عن أبي عبد الله
المحاملي أنه قالَ: "أعرف قبر معروف الكرخي منذ سبعين سنة، ما قصده
مهموم إلا فرج الله همه".
25- ماذا يروى عن الشافعي أنه كان يقول عن أبي حنيفة وقبره؟
ورُويَ عن الشافعي أنه كان يقول: "إني لأتبرك بأبي حنيفة وأجيء إلى
قبره في كل يوم ـ يعني زائرا ـ فإذا عرضت لي حاجة صليت ركعتين وجئت إلى
قبره وسألت الله تعالى الحاجة عنده فما تبعد عني حتى تقضى".
26-ماذا قال الحافظ الجزري عن قبور الصالحين ؟
وقد ذكر الحافظ الجزري وهو شيخ القراء وكان من حفاظ الحديث في كتاب له
يسمى الحصن الحصين وكذلك ذكر في مختصره قال: "من مواضع إجابة الدعاء
قبور الصالحين" ا.هـ، وهذا الحافظ جاء بعد ابن تيمية بِنحوِ مائة سنة،
ولم ينكر عليه العلماء إلا أن يكون بعض الشاذين الذين لَحِقوا نفاة
التوسل من أتباع ابن تيمية.
27- أذكر قول الإمام مالك للخليفة المنصور لما حجّ فزار قبر النبي صلى
الله عليه وسلم ؟
ونختِمُ هذا المقالَ بقول الإمام مالك للخليفة المنصور لما حج فزار قبر
النبي صلى الله عليه وسلم وسأل مالكا قائلا: "يا أبا عبد الله أستقبل
القبلة وأدعو أم أستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: ولم تصرف
وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك ءادم عليه السلام إلى الله تعالى؟ بل
استقبله واستشفع به فيشفعه الله" ذكره القاضي عياض في كتاب الشفا.
28- ما دليل أن إثم تكفير الوهابية للمسلمين لمجرد قصد قبور الأنبياء
والصالحين وهم يعتقدون أن الأنبياء والأولياء أسباب فقط يكون في صحائف
ابن تيمية لأنه أوّل من سنَّ هذا؟
كيفَ تجرأَ ابن تيمية على تحريم ذلك وتكفير من يفعلُ ذلكَ والحكم عليه
بالشرك، ثم كيفَ تجرأَ على دعوى أنه متفق عليهِ بين العلماءِ، ولو قالَ
هذا ما أراهُ وأعتقده لكانَ ذلكَ إبداءَ رأيهِ الخاص لكنه أوهَمَ أن
هذا الذي يراهُ متفق عليهِ عند علماءِ الإسلام تلبيسا على الناسِ وهو
يعلمُ أن الأمرَ ليسَ كذلكَ، فما أعظم ما ترتَّبَ من كلام ابن تيمية
هذا من تكفير أتباعه الوهابية للمسلمين لمجرد قصد قبور الأنبياء
والصالحين وهم يعتقدون أن الأنبياء والأولياء أسباب فقط لا يخلقون
منفعة ولا مضرة، فكل إثم تكفير هؤلاءِ المسلمين يكونُ في صحائف ابن
تيمية لأنه أولُ من سَنَّ هذا، فقد قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:
"ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده لا
ينقص من أوزارهم شىء" وهو حديثٌ مشهورٌ رواه مسلمٌ وغيرُهُ.
29- أذكر ما حدّث به الشيخ أحمد ذاكر من عجائب تكفير الوهابية
للمسلمين.
ومن عجائِبِ تكفير الوهابية للمسلمين ما حدث به الشيخ أحمد ذاكر قالَ:
كنتُ في ناحية بني غامد في الحجاز جالسًا تحت شجرة أدعو الله رافعا يدي
فأقبلَ إليَّ واحدٌ وقال بصوتٍ عالٍ: لم تعبد الشجرة، وهذا الإنكار منه
وتكفيره له ناشئ من مجرد سوء الظن بالرجل كفره من غير أن يسمع منه ما
يقول، ولم يكن هذا في بلد من بلاد المسلمين قبل ظهور محمد بن عبد
الوهاب في نجد الحجاز، ثم ازداد أتباعه غلوا ولا يزالون يزدادون غلوا
إلى يومِنَا هذا.
30- ما الدليل على أن الاستعاذة بغير الله ليست شركا ؟
أخْرجَ أحمد في المسند بإسناد حسن كَما قَالَ الحافظ ابن حجر أنَّ
الحارث بن حسان البكري، قَالَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أَعوذ
بالله ورسوله أَن أَكون كوافد عاد، الحديث بطُولِهِ دليل يبطل قول
الوهابية: الاستعاذة بغير الله شرك.
31-أذكر قصة الحارث بن حسان البكري لما قدم إلى رسول الله وقال له
"أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد" ؟
الحارث بن حسان البكري قالَ: "خرجت أشكو العلاء بن الحضرمي إلى رسول
الله صلى الله عليه وسلم فمررت بالربذة فإذا عجوز من بني تميم منقطع
بها، فقالت لي: يا عبد الله إن لي إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم
حاجة فهلا أنت مبلغي إليه، قال: فحملتها فأتيت المدينة فإذا المسجد غاص
بأهله، وإذا راية سوداء تخفق وبلال متقلد السيف بين يدي رسول الله صلى
الله عليه وسلم، فقلتُ: ما شأن الناس، قالوا: يريد أن يبعث عمرو ابن
العاص وجها، قال: فجلست، قال: فدخل منزله أو قال رحله، قال: فاستأذنت
عليه فأَذن لي فدخلت فسلمت، فقال: "هل كان بينكم وبين بني تميم شىء"،
قال: فقلت: نعم، قال: وكانت لنا الدبرة عليهم، ومررت بعجوزٍ من بني
تميم منقطعٍ بها فسألتني أن أحملها إليك وها هي بالباب، فأذن لها فدخلت
فقلت: يا رسول الله إن رأيت أن تجعل بيننا وبين بني تميم حاجزا فاجعل
الدهناء، فحميت العجوز واستوفزت، قالت: يا رسول الله فإلى أين تضطر
مضرك، قال: قلت: إنما مثلي ما قال الأول: معزاء حملت حتفها، حملت هذه
ولا أشعر أنها كانت لي خصما، أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد،
قال: "هيه وما وافد عاد" وهو أعلم بالحديث منه ولكن يستطعمه، قلت: إن
عادا قحطواـ أي انقطع عنهم المطر ـ فبعثوا وافدا لهم يقال له قيل، فمر
بمعاوية بن بكر فأقام عنده شهرا يسقيه خمرا وتغنيه جاريتان يقال لهما
الجرادتان، فلما مضى الشهر خرج إلى جبال تهامةـ يطلب المطر من الله،
لأن هؤلاء كانوا مع شركهم يعظمون مكة ـ فنادى: اللهم إنك تعلم أني لم
أجىء إلى مريض فأداويه ولا إلى أسير فأفاديه، اللهم اسق عادا ما كنت
تسقيه، فمرت به سحابات سود ـ والغالب أن السحابة السوداء هي التي تحمل
المطر، فرح فقال الآن ينزل المطرـ فنودي منها ـ أي ناداه الملك قائلا
ـ: اختر، فأومأَ إلى سحابة منها سوداء فنودي منها: خذها رمادا رمدِدًا
لا تبقي من عاد أحدا، قال: فما بلغني أنه بعثَ عليهم من الريحِ إلا قدر
ما يَجري في خاتَمي هذا حتى هلكوا، قالَ أبو وائل: وصدق، قال: فكانت
المرأة والرجل إذا بعثوا وافدا لهم قالوا: لا تكن كوافد عاد" ا.هـ
32- ما وجه الدليل في قول الحارث بن حسان البكري لرسول الله "أعوذ
بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد" على جواز الاستعاذة بغير الله ؟
وجهُ الدليل في هذا الحديثِ أنَّ الرسول لم يَقُل للحارث أشركت لقولِكَ
"ورسوله"، حيثُ استعذت بي وقد جَمَعَ الحارث الاستعاذة بالرسول مع
الاستعاذة بالله وذلكَ لأن الله هو المستعاذ به على الحقيقة وأما
الرسول فمستعاذ به على معنى أنه سبب، فتبينَ للحارثِ أن حاجتَها مثلُ
حاجتِهِ، هو جاءَ ليطلُبَ مِنَ الرسولِ أرضًا من الأراضي وهي نفس
الشَّىء كانَ في قلبِهَا أن تطلُبَ من الرَّسولِ، فلما أوصَلَهَا إلى
الرَّسولِ فإذا بها تذكُرُ للرّسولِ ما عندَها ما كانَ في ضميرِها أي
في قلبِهَا، فقالَ الصَّحابي: أعوذ بالله ورسوله أن أكونَ كوافد عاد،
يعني أعوذ بالله أن أكونَ خائبًا في أملي الذي أمَّلتهُ، معناهُ هذه
المرأةُ تريدُ أن تَسبِقَني إلى ما هو حاجتي.
33- ما الرد على من قال "نحن لا ننكر الاستعاذة بالرسول في حياته في
حضرته إنما ننكر الاستعاذة به بعد موته" ؟
الاستعاذة معنى واحد إن كان طلبُها من حي حاضر أو غائب فكيفَ يكونُ
طلبها من الحاضر جائزا ومن الغائب شركا هذا غيرُ معقولٍ، فإنَّ
المؤمِنَ إن استعاذ بحي أو ميت فإنّهُ يرَى المستعاذ به سببا أي أنه
ينفع المستعيذ به إن شاء الله أي إن كتب الله أنه ينفعه، وهذا المعنى
لا فرقَ به بينَ أن يكونَ المستعاذ به حيا حاضرا أو ميتا غائبا، فلا
الحي الحاضر المستعاذ به خالق للإعاذة ولا الميت قالَ الله تعالى:{هل
من خالقٍ غير الله}، وأينَ معنى عبادة غير الله في هذا أليسَ معنَى
العبادة لغةً وشرعًا نهاية التذلل يا مكفرين لأمة الهُدَى بلا سببٍ،
افهَموا معنَى العبادة ثم تَكَلَّموا.
34- أذكر دليلا من الحديث على جواز الاستغاثة بغير الله.
عن ابنِ عبَّاس أنَّ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "إنَّ لله
مَلائِكةً في الأرْضِ سِوَى الحَفَظَةِ يَكتُبونَ مَا يَسْقُطُ مِنْ
وَرَقِ الشَّجَرِ فَإذَا أصَابَ أحدَكُم عَرْجَةٌ بأرْضٍ فَلاةٍ
فلْيُنَادِ أعينوا عباد الله"، رَواهُ الطَّبَرانيُّ، وقَالَ الحَافِظُ
الهَيْثَميُّ: رجَالُهُ ثِقَاتٌ.
هذا الحديثُ فيه دلالَةٌ واضِحَةٌ على جواز الاستغاثَة بغير الله لأن
فيهِ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم عَلَّمَنَا أن نقولَ إذا أصابَ
أحدنا مشكلة في فلاةٍ من الأرضِ أي برّيّةٍ "يا عباد الله أعينوا"
فإنَّ هذا ينفعهُ. وهذا الحديث حسَّنَهُ الحافظُ ابن حجر، ونصُّ الحديث
كما أخرجَهُ الحافظُ ابن حجرٍ في الأماليّ عن ابنِ عبّاسٍ رضي الله
عنهما أنَّ النّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "إنَّ لله ملائكةً سِوَى
الحفظَةِ سَيَّاحينَ في الفَلاةِ يكتبونَ ما يسقُطُ من وَرَقِ
الشَّجَرِ فإذا أصابَ أحدكُم عرجةٌ في فلاةٍ فَليُنَادِ يا عبادَ الله
أعينوا"، الله تعالى يُسمِعُ هَؤلاءِ المَلائِكَةَ الذين وُكلوا بأن
يكتبوا ما يَسقُطُ من ورقِ الشجرِ في البريَّةِ نداءَ هذا الشَّخص لو
كانَ على مسافةٍ بعيدةٍ منهم. الملك الحي الحاضر إذا استغيث بهِ: يا
مَلِكَنَا ظَلَمَني فلانٌ أنقذني، يا مَلِكَنَا أصابني مجاعةٌ فأنقذني،
هذا المَلِكُ لا يُغيثُ إلا بإذنِ الله، كذلكَ هؤلاءِ المَلائِكَة لا
يُغيثونَ إلا بإذنِ الله، كذلكَ الأولياء والأنبياء إذا إنسان استغاث
بهم بعد وفاتهم يغيثونه بإذن الله، فإذًا هؤلاءِ سببٌ، وكِلا الأمرينِ
جائزٌ.
35- يقول ابن تيمية " قول أغثني يا رسول الله شرك إن كان في غيابه أو
بعد وفاته". فما الرد على ابن تيمية والوهابية القائلين "لم تستغيث
بغير الله، الله لا يحتاج إلى واسطة" ؟
أما ابن تيمية فيقولُ: قول أغثني يا رسول الله شرك إن كانَ في غيابه أو
بعد وفاته، عنده لا يجوز التوسل إلا بالحي الحاضر، يقول ابن تيمية
والوهابية لِمَ تستغيث بغير الله تعالى، الله تعالى لا يحتَاجُ إلى
واسطة، فيقالُ في الرَّدّ عليهم: كذلكَ المَلِكُ الله تعالى لا يحتاجُ
إليه ليغيثك وكذلكَ الملائكة الله لا يحتاجُ إليهم ليغيثوك، فما أبعد
ابن تيمية وأتباعه عن الحَقّ حيثُ إنهم وَضَعوا شروطًا لصِحَّةِ
الاستغاثة والاستعانة بغيرِ الله ليست في كتابِ الله ولا في سنّةِ
رسولِ الله، وكلُّ شرطٍ ليسَ في كتابِ الله فهو باطِلٌ وإن كانَ مائَة
شرطٍ. هذا والعجبُ من ابن تيمية ثَبَتَ عنه أمرانِ متناقضانِ وهو أن
القولَ المشهورَ عنه المذكور في أكثرِ كتبِهِ تحريم الاستغاثة بغير
الحي الحاضر، وصرَّحَ في كتابه الكلم الطيب باستحسان أن يقولَ من
أصابَهُ خدر في رجلِهِ "يا محمد"، وكتابُهُ هذا الكلم الطيب ثابِتٌ أنه
من تأليفِهِ فما أثبَتَهُ في هذا الكتابِ هو موافِقٌ لِعَمَلِ
المسلمينَ السلف والخلف، وأما مشبهة العَصرِ الوهابية الذين هم أتباعُ
ابن تيمية مجمعونَ على أن قول يا محمد شرك وكفر.
وهذا الكتاب الذي عقد فيه ابن تيمية فصلا لاستحباب أن يقولَ من أصابَه
الخدر يا محمد ثابت عنه توجدُ منه نسخٌ خطيةٌ ونسخٌ مطبوعةٌ. وقد
اعترفَ بصحةِ هذا الكتابِ أنه لابن تيمية زعيم الوهابية ناصر الدين
الألباني وهذا مذكور في مقدمة النسخة التي طبعها الوهابي تلميذ
الألباني زهير الشاويش، فهم وقعوا في حيرة لما أُوردَ عليهم هذا
السؤال: "هذا ابن تيمية قال في كتابهِ هذا فصل في الرَّجلِ إذا خدرت
وأوردَ أن عبد الله بن عمر خدرت رجله فقيل له اذكر أحب الناس إليك فقال
يا محمد فاستقامت رجله كأنه نشط من عقال. هذا فيه استحباب الكفر والشرك
عندكم وقائل هذا زعيمكم الذي أخذتم منه أكثر عقائدِكم، فماذا تقولون
كفر لهذا أم لم يكفر، فإن قلتم كفر لهذا وأنتم تسمونَه شيخ الإسلام
فهذا تناقضٌ تكفرونه وتسمونه شيخ الإسلام وإن قلتم لم يكفر نقضتم
عقيدتَكُم تكونون قلتم قول يا رسول الله استغاثة به بعد وفاته جائز وإن
لم تكفروه جِهارًا فإنكم معتقدون أن قولَه هذا شرك فلماذا لا تتبرءون
منه إن كنتم على ما كنتم عليه. والآن وقد وضَح لكم الأمر لكنكم لا
تزالون تخالفونه فيما وافقَ فيه الحق وتتبعونه فيما ضلَّ وزاغَ فيه وهل
لكم مستندٌ لتحريم التوسل بغير الحي الحاضر سوى ما أخذتم من كتبه
وزعمتم أن ذلك حجة، وهو أمر انفرد به ابن تيمية من بين المسلمين لم
يسبقه أحدٌ في تحريم التوسل بالنبي والولي بعد الوفاة أو في غير حضرة
النبي والولي في الحياة وظهرَ وثبتَ أنكم لستم مع السلف ولا مع الخلف".
هؤلاء السلف كتبهُم تشهدُ بأنهم كانوا يتبركون بالأنبياء والأولياء
بالتوسل بهم وبزيارة قبورهم وهؤلاء الذين ألفوا من السلف وذكروا في
مؤلفاتهم هذا الأثر من قول عبد الله بن عمر لما خدرت رجله يا محمد كان
مقررا عند السلف كإبراهيم الحربي صاحب أحمد بن حنبل ذكره في كتابه غريب
الحديث أي إبراهيم الحربي، والبخاري في كتابه الأدب المفرد وهذا الأثر
له أكثر من إسنادَين أحدهما فيه راوٍ ضعيف. ولو فرض أنه ليس له إسنادٌ
صحيحٌ لكن هؤلاء أوردوه في كتبهِم مستحسنين ليعمل الناس به فماذا
تحكمون عليهم هل تحكمون عليهم بالشرك والكفر حيث إنهم تركوا للناس ما
فيه شرك في تآليفهم وكذلك علماء الخلف من حفاظ الحديث ذكروا هذا في
مؤلفاتهِم فأنتم تكونون كفرتم السلف والخلف فمن المسلم على زعمكم إن
كان السلف والخلف كفارا على مُوجَب كلامكم، وهذا الإمام أحمد بن حنبل
الذي تعتزُّون به أجاز تقبيل قبر النبي ومسه للتبرك وذلك في كتاب العلل
ومعرفة الرجال.
36- ما الدليل على أن الميت ينفع بعد موته ؟
قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "حياتي خير لكم ومماتي خير لكم
تحدثون ويحدث لكم، ووفاتي خير لكم تعرض علي أعمالكم فما رأيت من خير
حمدت الله عليه وما رأيت من شر استغفرت لكم"، رواه البزار ورجاله رجال
الصحيح.
هذا الحديثُ يدلُّ على أن النبي ينفع بعد موته خلافا للوهابية
القائلينَ بأنهُ لا ينفع أحد بعد موته، فإنهُ عليه الصلاةُ والسلامُ
لما قال: "ومماتي خير لكم" أَفهَمَنَا أنه ينفعنا بعد موته أيضًا بإذنِ
الله عزَّ وجلَّ، كما نفعنا موسى عليه السّلامُ ليلة المعراج لما سألَ
النَّبيَّ عليهِ الصّلاةُ والسّلامُ: ماذا فرض الله على أمتك؟، فقال
له: "خمسين صلاة"، قال: ارجع وسل التخفيف فإني جربت بني إسرائيل فرض
عليهم صلاتان فلم يقوموا بهما، فَرجعَ فطلَبَ التَّخفيفَ مرَّةً بعد
مرَّةٍ وفي كلّ مرَّةٍ كانَ موسى عليهِ السلامُ يقولُ لهُ: ارجِع فَسَل
التّخفيفَ، إلى أن صاروا خمس صلواتٍ بأجرِ خمسينَ، فهل يشكُّ عاقلٌ
بنفع موسى عليه السَّلام لهذهِ الأمة هذا النفع العظيم، وقد كانَ موسى
توفيَ قبل ليلة المعراج بأكثر من ألف سنة، فهذا عمل بعد الموت نفع به
أمةَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم.
وأما قولُهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: "تُحدِثُونَ ويُحدَثُ لكُم"
فمعناهُ يحصلُ منكم أمورٌ ثم يأتي الحكمُ بطريقِ الوحي مِن رسولِ الله.
ثم يؤكّدُ النبيُّ عليه الصلاةُ والسّلامُ نفعه لأمته بعد وفاته
بقولِهِ: "ووفاتي خير لكم تعرض علي أعمالكم فما رأيت من خير حمدت الله
عليه وما رأيت من شر استغفرت لكم". ويدل على ذلك ما رواهُ مسلمٌ في
حديث المعراج أن كلًّا من الأنبياء الذين لقيَهُم في السماءِ دعا
للرسولِ بخيرٍ وهم ثمانية ءادم في الأولى وعيسى ويحيى في الثانيةِ
ويوسف في الثالثةِ وإدريس في الرابعةِ وهارون في الخامسةِ وموسى في
السادسةِ وإبراهيم في السابعةِ وكل ذلك نفع بعد الموت، فبطل تعلق
الوهابية بالاستدلال بحديث البخاري: "إذا مات ابن ءادم انقطع عمله إلا
من ثلاث" فإنه بزعمِهِم يمنع الانتفاع بزيارة قبور الأنبياء والأولياء
والتوسل بهم. يقال لهم المرادُ بقولهِ عليه السلام "انقطع عمله" أي
العمل التكليفي وليس فيه تعرض لما سوى ذلك من نحو نفع التوسل بهم بل
فيه ما يدل على خلافِ دعواهم حيث إن فيه أن دعوة الولد الصالح تنفع
أباه وليس مراد الرسول بذلك أنه لا ينفع دعاء غير ولده الصالح للميت.
37- ما الدليل على بطلان قول ابن تيمية: لا يجوز التوسل إلاّ بالحي
الحاضر؟
أَخْرجَ الطَّبرانيُّ في مُعْجَمَيهِ الكَبِيرِ والصَّغيرِ عَن عُثمانَ
بنِ حُنَيفٍ أنَّ رَجُلاً كانَ يَخْتلِفُ ـ أي يتَردَّدُ ـ إلى عثمانَ
بنِ عَفّانَ، فكَانَ عُثْمانُ لا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ ولا يَنْظُرُ في
حَاجَتِه، فَلقِي عثمان بن حنيف فشكى إليه ذلك، فقَالَ: ائت الميضأة
فتوضأ ثم صل ركعتين ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد
نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي لتقضى لي، ثم رح
حتى أروح معك. فانطلق الرجل ففعل ما قال، ثم أتى باب عثمان فجاء البواب
فأخذ بيده فأَدخله على عثمان بن عفان فأجلسه على طنفسته ـ أي سجادته ـ
فقال: ما حاجتك؟ فذكر له حَاجَتَهُ، فقَضى لَهُ حاجَتَهُ وقَالَ: مَا
ذَكَرْتُ حاجتك حتّى كانت هذه الساعة، ثُمّ خَرجَ مِنْ عِنْده فلَقِيَ
عثمان بن حنيف فَقالَ: جزاك الله خَيْرًا، مَا كانَ يَنْظُر في حَاجَتي
ولا يَلْتَفِتُ إلَيَّ حَتَّى كلَّمْتَهُ فِيَّ، فَقالَ عثمان بن حنيف:
والله ما كَلّمْتُهُ ولكِنْ شَهِدْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم
وقَدْ أتاه ضرير فشكى إليه ذهاب بصره، فَقالَ: إن شئت صبرت وإنْ شئت
دعوت لكَ، قالَ: يا رسول الله إنه شق علي ذهاب بصري وإنه ليس لي قائد
فقال له: ائت الميضأة فتوضأ وصل ركعتين ثمّ قل هؤلاء الكلمات، ففعل
الرجل ما قال، فوالله ما تفرقنا ولا طال بنا المجلس حتى دخل علينا
الرجل وقد أبصر كأنه لم يكن به ضر قط قالَ الطبراني في "معجمه":
والحديث صحيح، والطبراني من عَادَتِهِ أنَّهُ لا يُصَحّحُ حَديثًا معَ
اتّسَاع كِتابِه المعجَمِ الكَبيرِ، ما قالَ عن حدِيثٍ أوْردَهُ ولو
كَانَ صَحِيْحًا: الحَدِيثُ صَحِيْحٌ، إلا عن هَذَا الحَدِيْثِ، وكذلكَ
أخرجه في الصغيرِ وصححهُ.
فَفِيهِ دليل أنَّ الأعمى توسل بالنبي في غير حضرته بدليل قول عثمان بن
حنيف: "حَتَّى دخل علينا الرجل"، وفيْهِ أنَّ التوسل بالنبي جائز في
حالة حياته وبعْدَ مماته فبَطَل قَوْلُ ابن تيمية: لا يجوز التوسل إلا
بالحي الحاضر، وكل شرط ليس في كتاب الله فهُوَ باطل وإنْ كَانَ مِائَةَ
شَرطٍ.
هذا الحديثُ فيه دلالةٌ واضحةٌ على جواز التوسل بالنبي في حياته وبعد
مماته في حضرته أو في غير حضرته.
38- ما الدليل على أن قول ابن تيمية "ليس التوسل الوارد في حديث الأعمى
توسلاً بذات النبي بل بدعائِه" مخالف للأصول ؟
وأما قول ابن تيمية ليسَ التوسل الوارد في الحديثِ توسلا بذات النبي بل
بدعائِهِ فهوَ دعوى باطلةٌ، لأنَّ التوسل نوعٌ من أنواعِ التبرك،
الرسول ذاته مباركة وءاثاره أي شعره وقلامة ظفره والماء الذي توضأَ به
ونخامته وريقه مبارك، لأنَّ الصحابةَ كانوا يتبركون بذلكَ كما وَرَدَ
في الصحيحِ فكأنَّ قولَ ابن تيمية هذا ينادي بأنَّ الصحابةَ ما كانوا
يعرفونَ الحقيقةَ بل كانُوا جاهلينَ وما قَالهُ مخالفٌ للأصولِ، فإنَّ
علماءَ الأصولِ لا يُسَوّغونَ التأويل إلا لدليلٍ عقلي قاطعٍ أو سمعي
ثابتٍ، وكلامُ ابن تيمية معناهُ أنه يجبُ تقديرُ محذوفٍ فالحديثُ عندهُ
يُقدَّرُ فيهِ محذوفٌ فيكونُ التقديرُ على موجَبِ دَعْوَاهُ اللهم إني
أسألك وأتوجه إليك بدعاء نبينا وكذلك يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي
يلزم منهُ التقديرُ إني أتوجه بدعائك إلى رَبّي، والأصلُ في النصوصِ
عدمُ التقديرِ والتقديرُ لا يُصارُ إليه إلا لدليلٍ وَهَذَا المعروفُ
عندَ علماءِ الأصولِ فابن تيمية حُبّبَ إليهِ الشذوذُ وخَرْقُ الإجماعِ
من شدّةِ إعجابِهِ بنفسِهِ.
39- لِمَ انحرفَ أبو حيان الأندلسي عن ابن تيمية بعد أن كان يحبّه وقد
امتدحه ؟
ابن تيمية حُبّبَ إليهِ الشذوذُ وخَرْقُ الإجماعِ من شدّةِ إعجابِهِ
بنفسِهِ، ومنْ فَرْط إعْجَابهِ بِنفسِهِ أنه ذُكِرتْ مسئلةٌ نحْوِيةٌ
عندَهُ فقيلَ له هكذا قالَ سيبويهِ فقالَ سيبويهِ يكذبُ، ومَن ابن
تيمية في النَّحوِ حتى يكذّبَ إمامَ النحوِ لأنهُ خَالَفَ رأيَهُ، وهذا
خفيفٌ بالنسبةِ لتخطئة علي بن أبي طالب في سبعَ عَشرَة مسئلةً، فلهذا
انحرَفَ عنه أبو حيان النحوي بعد أنْ كَانَ يحبُّهُ وقد امتدَحَهُ
بقصيدةٍ ثم لما رَأَى منهُ تكذيبَ سيبويهِ ورأى كتابَهُ الذي سَمَّاهُ
كتاب العرش الذي ذَكَرَ فيه أنَّ الله قاعد على الكرسي وأَنَّهُ أخلى
موضعا للرسول ليقعده فيه زادت كراهيتُهُ له فَصَارَ يلعنه حتَّى ماتَ،
ذكرَ ذلكَ الحافظ محمد مرتضى الزبيدي، وأبو حيان إمام في القراءات
والنحو والتفسير وله سماع من شيوخ الحديث.
40- لِمَ وَصَفَ الذهبي ابن تيمية في رسالتِهِ "بيان زغل العلم
والطلب" بأنه أهلكه فرط الغرام في رئاسة المشيخة والازدراء بالأكابر؟
وَصَفَ الذهبي ابن تيمية في رسالتِهِ بيان زغل العلم والطلب بأنّهُ
أهلَكَهُ فَرْطُ الغرامِ في رئاسةِ المشيخةِ والازدراءُ بالأكابرِ وما
قالَهُ الذهبي صحيحٌ لأنَّ ابن تيمية انتقصَ سَيّدَنَا عليا بقولِهِ
إنّ حروبه ما نفعت المسلمين بل ضرتهم في دينهم ودنياهم، وبقوله إن
القتال معه ليسَ بواجبٍ ولا مستحب، وابن تيمية يعلم أن الله تَعالى
قال:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ
الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} وعليٌّ داخلٌ في هذِهِ الآيةِ
بلْ هو أولُ من امتَثَلَ الأمرَ الذي في هذِهِ الآيةِ فقاتَلَ من بَغَى
عَليه، وقد أجمعَ أهلُ السنةِ على أن عَليًّا مصيبٌ في حروبِهِ
الثلاثةِ وقعةِ الجملِ ووقعة صفين ووقعة النهروان، ويؤيدُ ذلك حديثُ
رسول الله: "إن منكم من يقاتل على تأويله كما قاتلت على تنزيله"،
فقيلَ: مَنْ هُوَ؟ فقالَ: "خاصف النعل"، وكانَ علي يخصف نعله. ففي هذا
الحديثِ تصويبُ قتالِ عليّ وهذا الحديثُ صحيحٌ ثابتٌ أخْرَجَهُ ابنُ
حبانَ وغيرُه،وحديثُ أبي يعلى والبزار عن عليّ رضي الله عنه عَهِدَ
إليّ النبي صلى الله عليه وسلم أن أقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين
اهـ. ورسالة الذهبي بيان زغل العلم والطلب صحيحة النسبة إليه لأنَّ
الحافظ السخاوي نَسَبَهَا للذهبي في كتابِهِ "الإعلان بالتوبيخ لمن ذم
التاريخ" وَنَقَلَ فيه بعضَ ما مَرَّ ذكرُهُ مِنْ وَصْفِهِ لابن تيمية
بأن فرط الغرام في رئاسة المشيخة والازدراء بالأكابر أهلكه، فلا
التفاتَ إلى مَنْ يَنفي صحتَهَا ونسبَتَهَا إلى الذهبي بلا دليلٍ بل
ليرضيَ أتباع ابن تيمية الوهابية لأجلِ المَالِ.
41- ما الدليل على أن رسالة الذهبي "بيان زغل العلم والطلب" صحيحة
بالنسبة إليهِ؟
رسالة الذهبي بيان زغل العلم والطلب صحيحة النسبةِ إليه لأنَّ الحافظ
السخاوي نَسَبَهَا للذهبي في كتابِهِ "الإعلان بالتوبيخ لمن ذم
التاريخ" وَنَقَلَ فيه بعضَ ما مَرَّ ذكرُهُ مِنْ وَصْفِهِ لابن تيمية
بأنَّ فرطَ الغَرامِ في رئاسةِ المشيخةِ والازدراءَ بالأكابرِ أهلكهُ،
فلا التفاتَ إلى مَنْ يَنفي صحتَهَا ونسبَتَهَا إلى الذهبي بلا دليلٍ
بل ليرضيَ أتباع ابن تيمية الوهابية لأجل المَالِ.
42- ما الرد على تمسّك بعض الوهابية لدعوى ابن تيمية في رواية حديث
الترمذي الذي فيه :"اللهم شفعه في وشفعني في نفسي" بأنَّه لا يتبرك
بذات النبي؟
وأما تمسكُ بعضِ الوهابية لدعوى ابن تيمية هذه في روايةِ حديثِ
الترمذيِ الذي فيه: "اللهم شفعه في وشفعني في نفسي"، فلا يفيدُ أنه لا
يتبرك بذات النبي، بل التبرك بذات النبي إجماع لم يخالفه إلا ابن
تيمية، والرسول هو الذي قال فيه القائل:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل
أَوْرَدَهُ البُخَاريُّ.
43- ما الدليل على أن ترك التوسل بالنبي بعد موته ليس فيه دلالة على
منع التوسل بغير الحي الحاضر؟
وأمَّا توسل عمر بالعباس بعدَ موت النبي صلى الله عليه وسلم فليسَ
لأَنَّ الرّسُولَ قدْ مَاتَ، بلْ كانَ لأجْلِ رِعَايةِ حَقّ قَرابَتِه
مِنَ النَّبي صلى الله عليه وسلم، بدَليلِ قَولِ العبّاسِ حِينَ
قَدَّمَهُ عُمَرُ: "اللّهُمَّ إنّ القَوْمَ تَوجَّهُوا بي إلَيْكَ
لِمَكَانِي مِنْ نَبيّكَ"، فَتَبيَّنَ بُطْلانُ رأْيِ ابن تيمية ومَنْ
تَبِعَهُ مِنْ منكري التوسل. رَوى هذا الأَثَرَ الزُّبَيرُ بنُ بكَّار
كما قالَ الحافظُ ابن حجر، ويُسْتَأنسُ لَهُ أَيضًا بِما رَواهُ
الحاكِمُ في المستَدْرَكِ أنَّ عُمرَ رَضِيَ الله عَنْهُ خَطَب
النَّاسَ فقالَ: "أيُّها النَّاسُ إنَّ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم
كانَ يَرَى للعَبّاسِ مَا يَرَى الولَدُ لِوَالدِه، يُعَظّمُهُ
ويُفَخّمُهُ ويَبَرُّ قَسَمَهُ، فاقْتَدُوا أيُّها النّاسُ برسولِ الله
صلى الله عليه وسلم في عَمّهِ العبَّاسِ واتّخِذُوه وسِيلةً إلى الله
فِيما نَزَلَ بكُم"، فَهذا يُوضِحُ سَببَ توسل عمر بالعباس.
يُفهَمُ من هذا أن توسل عمر بالعباس كانَ لرعايةِ حَقّ قرابتِهِ مِن
رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فتركُ عمرَ التوسل بالنبي في ذلكَ
الموضِعِ ليسَ فيه دلالةٌ على منعِ التوسل بغير الحي الحاضر، فقد
تَرَكَ النّبيُّ صلى الله عليه وسلم كثيرًا من المباحات فهل دل تركه
لها على حرمتها؟ وقد ذَكَرَ العلماءُ في كتبِ الأصولِ أن ترك الشىء لا
يدل على منعه. وقد أرادَ سيدنا عمرُ بفعلِهِ ذلكَ أن يبيّنَ جواز
التوسل بغير النبي صلى الله عليه وسلم من أهلِ الصلاحِ ممَّن ترجى
بركته، ولذا قالَ الحافظُ ابن حجرٍ في فتحِ الباري عَقِبَ هذه القصَّة
ما نصُّه: "يستفادُ من قصةِ العبّاسِ استحباب الاستشفاع بأهل الخير
والصلاح وأهلِ بيتِ النبوة".اهـ.
44- ما الردّ على دعوى بعض المشوشين أنّ الحديث المذكورَ في إسنادِه
أبو جعفر هو رجل مجهول؟
لا التِفَاتَ بَعْدَ هَذا إلى دَعْوَى بَعْضِ هَؤلاءِ المُشَوّشِيْنَ
أنَّ الحدِيثَ المذْكُورَ في إسنَادِهِ أبو جَعْفَرٍ وهوَ رَجُلٌ
مَجْهُولٌ، ولَيْسَ كَما زَعَمُوا بل أبو جَعْفرٍ هَذا هُوَ أبو جعفر
الخطمي ثقة.
45- ما الردّ على دعوى ناصر الدين الألباني أن مراد الطبرانيّ
بقوله:"والحديث صحيح" القدر الأصلي وهو ما فعله الرجل الأعمى في حياة
رسول الله فقط وليس مراده ما فعله الرجل أيام عثمان بن عفان بعد وفاة
الرسول؟
وكذلكَ دَعْوَى بَعْضِهم وهوَ ناصر الدين الألباني أنَّ مُرادَ
الطَّبرَانيّ بقَولِه: "والحدِيْثُ صَحِيْحٌ" القَدْرُ الأَصْلِيُّ
وهوَ مَا فَعلَهُ الرجل الأعمى في حياة رسول الله فَقَط، وَلَيْسَ
مُرادُه ما فَعلَهُ الرجل أيّامَ عثمان بن عفان بَعْدَ وفاة الرسولِ
وهذا مردودٌ، لأَنَّ عُلَماءَ المُصْطَلح قَالُوا: الحَدِيْثُ يُطلَقُ
علَى المَرْفُوعِ إلى النّبيّ والمَوقُوفِ على الصَّحابَةِ، أي أنَّ
كَلامَ الرسولِ يُسَمَّى حَدِيْثًا وقَولَ الصَّحابِيّ يُسَمَّى
حَدِيثًا، ولَيسَ لَفْظُ الحَدِيثِ مَقْصُورًا على كلامِ النّبيِ فَقط
في اصطلاحهم، وهَذا المُمَوِّهُ كلامُهُ لا يُوافِقُ المُقَرَّرَ في
عِلْمِ المُصْطَلَحِ فَليَنْظُرْ مَنْ شَاءَ في كِتَابِ تَدْرِيْبِ
الرَّاوِي والإفْصَاحِ وغَيرِهما مِن كُتُبِ المُصْطَلَحِ، فإنَّ
الألباني لم يجرهُ إلى هذهِ الدَّعوى إلا شِدة تعصبهِ لهواهُ وعَدم
مبالاتِهِ مخالفة العلماءِ كَسَلَفِهِ ابن تيمية.
وقَد نَصَّ على ذلكَ غَيرُ وَاحدٍ مِنْ عُلَماءِ الحَديثِ، مِنْهُم
الحافظ ابن حجر العسقلاني كما نقلَ عنه السيوطي في تدريب الراوي، وابن
الصلاح في مقدمته في علوم الحديث.
46- حديث :"إذا سألْت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله" ليس فيه
دليل على منع التوسل بالأنبياء والأولياء. اشرح ذلك.
أَمَّا حديث ابن عباس الذي رواه الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم
قالَ لهُ: "إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله" فلََيسَ
فيهِ دَليلٌ أيْضًا علَى مَنْعِ التوسل بالأَنبياءِ والأَوْلياءِ لأنَّ
الحديثَ معناهُ أن الأوْلى بأن يسأل ويستعان به الله تَعالى، وليسَ
مَعناهُ لا تسأل غير الله ولا تستعن بغير الله. نَظِيْرُ ذَلِكَ قَولُه
صلى الله عليه وسلم: "لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي"،
فكَما لا يُفهَمُ مِنْ هَذا الحَديثِ عَدَمُ جواز صُحْبَةِ غَيرِ
المُؤمنِ وإطْعامِ غَيرِ التَّقِيّ، وإنَّما يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ
الأَوْلَى في الصُّحبَةِ المُؤمنُ وأنَّ الأَوْلَى بالإطْعامِ هُوَ
التَّقيُّ، كذلكَ حَديثُ ابنِ عبَّاسٍ لا يُفهَمُ مِنهُ إلا
الأوْلَوِيّةُ وأمّا التحريم الذي يدعونه فلَيسَ في هَذا الحَدِيثِ.
47- ما الدليل على أنّ حديث ابن عباس لو ورد بلفظ النهي فليس كل أداة
نهي للتحريم؟
المتوسل القائل "اللهم إني أسألك بنبيك أو بأبي بكر أو بأويس القرني أو
نحوِ ذلك سأَلَ الله لم يسأل غيره فأينَ الحديث وأين دعواهُم، ثم إن
الحديثَ ليس فيه أدَاة نهي لم يَقُل الرسولُ لابنِ عبّاسٍ لا تسأل غير
الله ولا تستعن بغير الله، ولو وَرَدَ بلفظِ النهي فليسَ كل أداة نهي
للتحريمِ كحديثِ الترمذي وابنِ حبانَ: "لا تُصَاحِب إلا مؤمنًا ولا
يَأكُل طعامَكَ إلا تَقيٌّ"، فهذا الحديثُ مع وجودِ أداةِ النهي فيه
ليسَ دليلاً على تحريمِ أن يطعمَ الرجلُ غير تقي، وإنما المعنَى أن
الأولى أن تطعمَ طعامَكَ التقيَّ. فكيفَ تَجَرأت الوهابية على
الاستدلالِ بهذا الحديثِ لمنع التوسل بالأنبياء والأولياء، ما أجرأَهُم
على التحريم والتكفير بغيرِ سببٍ، ومن عَرَفَ حقيقتَهُم لا يَجعل
لكلامِهِم وزنًا.
48- ما الدليل عل أنّ وضع الكف على الشبيكة ليس شركا؟
ثَبَتَ عن أبي أيوب الأنصاري أنه جَاءَ إلى قبر الرسول فوضع وجهه عليه
للتبرك وهذا لا شَك عندهُم من أكبرِ الكفر والشرك، وحاشا لله أن يكون
أبو أيوب أشرك بالله لذلكَ ولا يَخطُرُ هذا ببالِ مسلمٍ، فلم ينكر
عليهِ أحدٌ من الصحابَةِ ولا أحدٌ من أهلِ العلمِ من السلفِ بل ولا
مِنَ الخلفِ، فإذا كانَ وضع الوجه على قبر الرسول للتبرك لا يُعَدُّ
شركا فكيف وضع الكف على الشبيكة التي هي بينَ القبر وبينَ الزائر، فإنا
لله وإنا إليه راجعونَ اللهم إليكَ المُشتَكَى.
49- ما الدليل على أن التوسل يسمى استغاثة ؟
لا فَرقَ بينَ التوسل والاستغاثة، فالتوسل يُسَمَّى استغاثة كمَا جاءَ
في حَدِيْثِ البُخَاريّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "إنَّ
الشَّمسَ تَدْنُو يَومَ القِيامةِ حَتّى يَبْلُغَ العَرَقُ نِصْفَ
الأُذُنِ فبَيْنَما هُمْ كذَلكَ استغاثوا بآدم ثمَّ موسى ثمَّ بمحمد
صلى الله عليه وسلم" الحديث في روايةِ عبدِ الله ابن عمرَ لحديثِ
الشفاعة يوم القيامَةِ، وفي روايةِ أنسٍ رُوِيَ بلفظِ الاستشفاع وكلتَا
الروايتينِ في الصحيحِ فَدَلَّ ذلك على أن الاستشفاع والاستغاثة بمعنًى
واحدٍ فسَمَّى الرّسُولُ صلى الله عليه وسلم هذا الطلب مِنْ ءادَمَ أَن
يشفع لَهُم إلى رَبّهِمُ استغاثة.
هذا الحديثُ فيه دليلٌ على أن التوسل يأتي بمعنَى الاستغاثة وفي بعض
الرّواياتِ لهذا الحديثِ: "يا ءادم أنتَ أبو البشرِ اشفع لنا إلى
رَبّنا" وفي هذا ردٌّ على من جَعَلَ التوسل بغير الله شركا. الاستشفاع
والتوسل والاستغاثة والتوجه والتجوه بمعنى واحد، وقد قالَ الحافظُ
تقيُّ الدّين السُّبكيُّ في شفاءِ السَّقَامِ: الاستشفاع والتوسل
والتوجه والاستغاثة والاستعانة بمعنى واحدٍ. والتقي السبكيّ محدث حافظ
فقيه لغوي كما وصفه بذلك السيوطيّ في الذيل.
50- ما الدليل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم سمى المطر غيثا مغيثا
؟
الرسولُ سمَّى المطر مغيثا، فقد رَوَى أبو داودَ وغيرُهُ بالإسنادِ
الصَّحيحِ أنّ الرسولَ قال: "اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريعا نافعا غير
ضار عاجلا غير ءاجل"، فالرسول سمى المطر مغيثا لأنّه يُنْقِذُ مِن
الشّدّة بإذن الله، كذلكَ النبي والولي ينقذان مِنَ الشّدَّةِ بإذنِ
الله تَعَالى.
51- ما الدليل على جواز طلب ما لم تجر به العادة بين الناس؟
الدليلَ على جواز طَلَبِ ما لم تَجر بهِ العادةُ بينَ الناسِ فمن ذلكَ
ما رواهُ مسلمٌ من أن ربيعةَ بن كعبٍ الأسلميَّ الذي خَدَمَ رسولَ الله
صلى الله عليه وسلم قالَ لهُ رسولُ الله من بابِ حُبّ المكافأةِ:
"سَلني" فطلبَ مِن رسولِ الله أن يكونَ رفيقه في الجَنةِ، فقالَ له:
أسألُكَ مرافقتكَ في الجنةِ، فلم ينكر عليهِ رسول الله صلى الله عليه و
سلم بل قالَ لهُ من بابِ التواضع: "أوغير ذلك"، فقال الصحابي: هُوَ
ذاكَ، فقال له: "فأعني على نفسك بكثرة السجود"، وكذلك سيدنا موسى عليهِ
السلامُ حينَ طَلَبت منهُ عجوز من بني إسرائيلَ أن تكونَ معهُ في الجنة
لم يُنكِر عليها ذلكَ، رَوى ذلكَ عنهُ ابن حبّانَ في صحيحهِ وغيرُه.
فَمِن أينَ لابن تيمية وأتباعِهِ أن يبنوا قاعدة وهو قولُهُم "طلب ما
لم تجر به العادة من غير الله شرك".
المصدر:
http://www.sunna.info/Lessons/islam_307.html